Thursday, 31 March 2016

النظافة ليست من الإيمان



صباحاً في الطريق إلى "غريفي"،
وهي واسطة عقد "كيانتي"، كان عبوراً باذخاً
وكيف لمن يشهد "رادا"، و"جايول" و"كاتسلينا"، و"فيلا اسيستا"، و"بانزانو" أن لا يكون عبوره باذخاً؟
أليست هذه جنات عدن التي تجري من تحتها الأنهار؟
إنها نوع من المدن التي تكرر نفسها في داخلك في صور وأشكال شتى
فبالرغم من أنني زرتها وتجوّلت في جنباتها من قبل مراراً، إلا أن كلّ مرة في "كيانتي" كان -في حساب الجمال- مرّة أولى.
شعرت وكأن جدي آدم استيقظ من رقدته الطويلة وقال لي: نعم
هذه هي الجنة التي أخرجت منها، عدت إليها،
فكلما زرت "كيانتي" وقراها التي تتوزّعها الهضاب والوديان أشعر بنفسي كما لو أنني عدّت إلى الجنة مرّة أخرى.
في يوم أحد في "بانزانو"، يكون العثور على طاولة فارغة في مطاعمها شبيهاً بهبوط إضطراري من السماء.
فهو أمر شاق لا يتأتى إلا لذي حظّ عظيم
وكنت أحدهم
مررنا بداريو، وهو أشهر قصاب في المنطقة، وله مطعمان أحدهما "ماك داريو" والآخر "داريو دوك"، و"ماك داريو" إشارة الى أنه ندّ لـ "ماكدونالد".
وعندما تكون في أحد مطاعمه، فليس لك أن تفوّت طبق "البستيكا" (شريحة اللحم)، فلداريو شروط أربعة يجب توفّرها لتمنح "بستيكا" لا يدانيها في مرتبتها شيء.
أولها: أن تكون البقرة منعّمة ومرفّهة ترعى في جنّات آدم ذاته،
وثانيها أن تكون ميتتها كريمة ورحيمة، والثالث أن يلتزم تقطيعها قصاب ماهر، ورابع شروط داريو هو ما يتعلق بطهيها، فيجب أن تُطهى على عينه.
ولداريو شغف بعمله جعله يعرف أبقاره، وربما أطلق عليها أسماء كما نفعل لتمييزها، وإذا ما أصابها سوء فيمكنك أن تدرك ذلك بمجرد النظر إلى وجهه. ولعل جنون البقر كان، في أول ظهوره، أمر موجع لم يتمكن داريو من تفاديه، وعندما قوطعت لحوم الأبقار، خرج في مسيرة حمل فيها تابوتاً مليئاً بلحوم أبقاره وأخذ يجوب به طرق المدينة كمن ينعى لحوم البقر، ومن خلفه التحقت مسيرة كبيرة.
على مائدة الصباح، تحدّثت عن رحلتنا الأبدية في الكون، أو لأقل الرحلة من السرمد إلى الأبد، فالقمر يبتعد عن الأرض قلامة إظفركلّ يوم ، ودرب التبانة هذه المجرة التي يرصّعها (200 مليار نجم) تتمدّد وتبتعد كسحابة.
الأرض تكمل دورة حول الشمس في كل 365 يوماً، أما الشمس فتحتاج إلى 250 مليون سنة لتكمل دورة واحدة حول مركز المجرة.
القمر على بعد 380 ألف كيلومتر، أما الشمس فعلى بعد 150 مليون كيلومتر عن الأرض.
وعندما بلغ "نيوهورايزون" (الأفق الجديد) بلوتو العام الماضي، وهو على بعد 5 مليارات كيلومتر، لم يكن يتوفر على وقود كاف ليدور حول "بلوتو"، لكن حسبه أنه التقط صوراً لمجموعتنا الشمسية، فلم يتمكن من القبض على الأرض، أو أي من الكواكب السيارة في مجموعتنا، لكن الشمس بدت لعينيه كنقطة ضوء يصعب تفريقها عن النجوم الأخرى.
لقد رمق المجموعة بنظرة وداع أخيرة، وكانت الشمس كشمعة ستخفق فيها ريح المسافة فتنطفئ.
في المساء زرنا "سيينا"، وتناولنا البوظة في محل "غروم"، وفيها أكبر ساحات أوروبا القروسطيّة وأجملها، وفيها يقام سباق للخيول مرتين في العام يُطلق عليه "الباليو"، أي معطف السيدة العذراء.
قال ديوارنت إن المدينة التقيّة "سيينا" قد كرّست له نفسها وحياتها منذ أمد بعيد.
أما كنيستها الشامخة، فتزيّنها أعمال جيوفاني بيسانو، وهناك نافورة العالم أو نافورة نبتون، وهي نافورة استمدت بريقها من الشمس، و يطلقون عليها نافورة الشمس أيضاً.
شعرت بحضور طاغ للدين، وتحديداً دين القرون الوسطى، أو ربما المسيحيّة الأولى، وتذكّرت جوته في روما يصف شموع وبخور كنائسهم: تلك هي الشموع ذاتها التي سودت، طوال ثلاثة قرون، الرسوم الجدارية، وهذا هو البخور نفسه الذي حجب، بغطرسة المقدس، شمس الفن بالغيوم، واضعف نورها عاماً بعد عام، ليصيبها اخيراً بالكسوف التام.
وتذكرت كيف أن الرومان كانوا أول من ابتدع الحمامات واشاعوها في أصقاع الأرض.
سيينا بأسواقها وساحاتها، بالباليو وخيوله، بنافورة نبتون، بمحالها وبوتيكاتها الأخاذة، بوجوه حسانها اللواتي كما لو أن الجمال قطّر تقطيرا بطيئا فأصبحن ما هنّ عليه، تجمّعت كلها خلف صيحة واحدة وأطلقتها مدويّة في وجه الكهنوت الحالك حتى تخلّصت منه ولم يبق سوى أطلاله
ثم وعلى حين غرّة نهضت في ذاكرتي حملات التنديد التي وقفت المسيحية من ورائها بدعوى أن هذه الحمامات ليست سوى بؤر للفجور والفسق والرذيلة وجهرت بعدائها حتّى أقسمت أنّ النظافة ليست من الإيمان.

Wednesday, 30 March 2016

Aleppo..Maqams for Pleasure


Translated by:Tariq Alashair
My friend, the renowned Syrian filmmaker (Mohammad Malas) presented me with work papers for a variety of projects he was planning to implement. From among all of those projects I chose the documentary film project about the veteran artist (Sabri Moudallal). At the time it did not occur to me that his departure was imminent. At the time no one ever attempted to conduct any work about this original artist and his marvelous ancient city, the same city that Poet (Abu at-Tayyib al-Mutanabbi) made me become attached to more than one thousand years ago.
Thus this artistic journey with (Sabri Moudallal) began. He was a man of genial and gentle character, sober and sweet voice, and a shining memory.
The viewer will notice that the memories film arrives at numerous stops and meets with many figures, starting with the Call for Prayer (Athan) that Haj Sabri performs using his melodious and strong voice, moving back and forth between five musical Maqamat (Assemblies) including the Qudud Halabiya (means musical measures of Aleppo), Andalusi poems (muwashahat), and religious songs.
Haj Sabri began his artistic career by signing with one of the “Mawlaw'īyya Sufi” band known among the people as “Milwiyya”. The film presents a wonderful scene from one of the band’s Sufi breathtaking dances that elevates the audience’s soul to the skies of ecstasy, purity and amazing beatitude.
This cinematic work comes to emphasize the glorious and charming side of the past when the sky and the earth meet, much like Sufism meet dances and songs, love with work and goodness with beauty in a harmonious and unified human whole away from intolerance, isolation and death. The viewer’s feelings will melt into this sublime art, especially when the camera shows the city of Aleppo at the end of the film with its castle, popular neighborhoods, monuments and markets. But it is impossible for us to forget that today our eyes can only see a devastated historical city, one that occupies a special place in our national, literary and architectural history. My heart is in pain to see this ancient city in such a condition. The hand of destruction has affected everything that is beautiful and original in this place, and what remains is this film which reflects the originality and uniqueness of the city.

Saturday, 26 March 2016

من الوادي الأبيض إلى ولاّد جلال في الجزائر


بعد أن تناولنا الإفطار في فندق "الساورة" الجميل بمدينة تاغيت، انطلقنا إلى مطار بشار وأقلعت بنا الطائرة في اللحظة التي بدأ يتكون بها قوس قزح، وفتحت السماء أبوابها لزخّات من المطر، فوصلنا إلى مطار بسكرا بعد مرور ساعة ونصف الساعة، قضيناها في تبادل الأحاديث.
انطلقت بنا السيارات متوجهين إلى وادي "غوفي"، وكان الطريق متعرجاً، متخماً بالمرتفعات والمنخفضات، من كان يصدّق أننا كنا نسير في قعر محيطات قد تبخرّت، شاهدت أثر الماء في أشكال تلك الصخور، ولمّا عبرنا قرية شتمه، قال الوزير محمد بو غازي: يقول أهلها أن أصل الكلمة شطّ الماء.
بعد قرابة ساعة ونصف الساعة، وصلنا إلى وادي "غوفي" الذي يقع في ولاية "باتنة" ويسمى "وادي الأبيض"، ويعتبر من أجمل الأودية في العالم ، ويعرف محلياً بــ''إغزر أملال''. ويمر عبر بلديات تيفلفال، ويتّسع في كامل الولاية.
تقع قرية "غوفي" فوق تلة يتراوح ارتفاعها متدرجا ما بين 500 متر و1200 متر، وشرفات الغوفي تشبه جبال "روكي" و "جراند كانيون" في إيريزونا، وتتكون من صخور رسوبية ومتحولة. وتم نحت منازل غوفي في الجبال ذاتها التي يخترقها الوادي الأبيض "إغزر أملال"، وتأتي على شكل مساطب متدرجة من الصخر على كامل الجبل.
وينساب الوادي المائي أسفل الشرفات، مانحا مع كل قطرة من مائه الحياة للواحة، وبساتين المشمش والرمان والزيتون والعنب، وفواكه أخرى كثيرة. وهنا تملكنا الفضول، فنزلنا إلى الأسفل بحوالي 60 مترا للتمتع بعذوبة المياه الرقراقة والمتدفقة من أعالي الجبال.
ونزلنا إلى منتصف الوادي من خلال السلالم الحجرية المنحوتة في الجبل، وكان منظر الشرفات من أسفل يجعل الزائر يتخيل وكأن قدميه وطئتا أرضاً لم يطأها إنسان من قبل. وهنا ندرك سر تمسّك بعض العائلات التي اختارت البقاء والعيش في هذا المكان مديرة ظهرها للحياة الحضرية التي يبدو وكأنها توقفت عند أسوار شرفات غوفي بطبيعتها العذراء.
هنا تشعر وكأنك على كوكب آخر، ربما في وادي ميرنيرز العظيم في المريخ. ولكن المؤكد أنك لست على كوكب الأرض، فالطبيعة هنا استثنائية وبعيدة عن كل ما شاهدناه من قبل.
وهنا يبدو كل شيء ثابت وكأنه لم يتحرك منذ الأزل، قال لنا الدليل: هنا صوّر الأخضر حامينا أغلب أفلامه، كما أنّه المكان الذي احتضن ثوّار الجزائر. حتى الأحجار الصغيرة المتكسرة هنا، وبعض الصخور المتناثرة توحي لك بالثبات، فتخالها راسخة في مواضعها ولكنها متغيرة. وسرعان ما تكتشف أن الطقطقات المنبعثة من المسير ناتجة عن تكسر بقايا أصداف بحرية، وأن الوادي الذي يبدو ساكناً كالجلمود كان في الأزمنة الغابرة عبارة عن بحر يزخر بأنواع عديدة من مستحاثات على شكل أصداف ونجوم بحر وكائنات أخرى بحرية متحجرة.
وهنا يوجد أيضاً الكثير من ترسبات المعادن كالزنك والنحاس والرصاص تحولت بفعل السنين إلى حجارة شديدة اللمعان، وبأشكال جذابة تُستعمل في الديكور.
عدنا من وادي غوفي إلى ولاية بسكرا، وهي تلقب ببوابة الصحراء الكبرى، وتقع بالجهة الجنوبية الشرقية من الجزائر العاصمة، وتبعد عنها نحو 400 كم ويحدها من الشمال الجبال، والسهول تمتد من جهة الغرب والشرق، وتشتهر بأنواع من التمور عالية الجودة. ولقد ورد ذكرها في كتابات "ابن خلدون" والأديب الفرنسي "أندريه جيد" وغيرهم.
غادرنا الوادي الأبيض بعد أن استمتعنا برؤية أعجوبة من عجائب الأرض، وتوجهنا إلى قرية "طولجة" حيث يوجد أفضل تمر لدقلة نور، وهو النوع الذي يكاد يكون شفافاً وتظهر من خلاله نواة التمر دون أن تفتحها .
وصلنا إلى مزرعة الصديق / سليم حدّود .. كان المشوي على الطريقة المحلية في انتظارنا، والخشخوشة ساخنة تنتظر من يلتهمها، وهي عبارة عن رقائق خبز مسقية بالمرق كالفريد عندنا (الثريد)، وعليها قطع من اللحم المسلوق.
ولقد أخبرنا الصديق/ سليم بأن الرعاة المحليين هم الذين يقومون برعي قطعان الماشية، ويشرفون على تربيتها، مقابل تملكهم عشرة بالمائة منها، وفي الصيف، يتوجهون بها شمالاً، حيث السهول والأجواء أكثر اعتدالاً من صيف "طولجة" القاسي، وتشتهر هذه الماشية باسم "ولاد جلاّل".

Friday, 25 March 2016

Mr. William and the Golden Ode



 

Years ago, during my stint at the Cultural Foundation in Abu Dhabi, I came across a book “The Golden Ode” of Labeed ibn Abi Rabee’a. The book was a visual anthology tracing the whereabouts of Labeed and his conversions as recited in his poem. I asked about the author to learn that he is a descendent of a family which gave the United States of America one of its presidents. Since such books always emit the impression that their authors did live in earlier eras, I legitimately wondered if the author was still alive, I was told he is. I had the desire to invite him to the foundation but was informed that the man’s convictions had changed and he became more of a Zionism and wasn’t supportive of Arabs anymore.
Four years later, I received a call from my friend at the Central Bank Abdulmalek Al Hamar, he seemed to be having a sort of predicament: his day was full to the brim but he had a guest in turmoil and Abdulmalik feared that turmoil is contagious; the guest name was William R. Polk. I immediately connected the dots: it was the author of the book in the flesh. The man needed someone to listen and carried with him a supply of thoughts to aid him through the lonely road of old age, yes, the man reached an age where he banished patience giving an unremitting impression of haste.
Abdulmalik told me about William’s intention to work on a project tackling “Imra’ ul-Qais” with the same approach he used with Labeed. But William was weary trying to find someone to sponsor the project. Indeed, it was a greater endeavor than Labeed, since Imra’ ul-Qais was more versatile when it came to poems and places since several narrations indicate that he traversed the Arabian Peninsula starting from the south where he first dwelled in Kindah passing to the north where he met Al Samaw’al ibn Adiya’a in Taima’a then reaching Ankara in Turkey.
Personally, I consider what the sources circulate and what was narrated about Imra’ ul-Qais are originally a set of stories and folk epics that were distorted by the centers of power and tribal strongholds during the inscription period. Throughout the Islamic conquests that followed the Orthodox Caliphate, such stories coupled with the emergence of Tribalism spread in new lands. The tribes felt compelled to narrate their past highlighting their glorious deeds and powers and how that glory was reflected in their present. To achieve that, the tribes invested in the new state via being rulers of newly invaded provinces or leaders in the military.
I am confident that Imra’ ul-Qais did not go to Ankara seeking the assistance of the Roman Emperor and that his life did not come to an end as a lonely stranger on top of Mount Asseeb. Even his entanglement with Al Samaw’al was not as described in several stories: if we are to assume that Imra’ ul-Qais had really reached Taima’a and met Al Samaw’al to begin with; it is more probable that Al Samaw’al did not surrender Imra’ ul-Qais armor to Al Harith ibn Abi Shammar Al Ghassani not out of observing Imra’ ul-Qais’s trust but because he was planning to keep the armor to himself. In addition, there is no mention of Al Samaw’al in those narrations following the murder of his son and nothing is to be found about Al Samow’al fate as if the stories were severed from many contexts just to give evidence of the man’s fidelity. I find that such distortions were part of the power struggle following the fall of the Umayyad Caliphate were many parties were keen on dividing its inheritance during the reign of the Abbasid Caliphate with its vast influence and inflated institutions.
Back to Abdulmalik (God bless his soul) who was eager to introduce Mr. Polk to relieve himself from the burden of listening to resilient William, I told Abdulmalik: “Send him to me”, I felt sorry for Abdulmalik, he sounded quite distressed. But once I met William and starting talking to him, I immediately related to Abdulmalik anguish.
I was surprised that contrary to what I had been told, the man did not swap convictions, on the contrary; he was more committed, and at his age he had cemented his priorities. According to William: “Nothing should precede my project: A visual anthology about Imra’ ul-Qais, this project needs a budget somewhere between one and half to two million dollars”. I felt bitter since those days the Foundation cannot entertain such huge amounts and the whole budget was barely covering the pre-scheduled activities so I kept thinking of someone who can adopt Mr. William’s ideas and capable of funding the man’s dreams. Following a pleasant day of versatile stories, Mr. William left for his retirement home in Paris.
For many years to follow, I never fell out of contact with William and at the same time kept thinking that it is essential to undertake a project about the first Lost King. Towards the end of 2000, the idea was still roaming in my mind so I decided to sponsor the project myself and to publish the book with the same high quality of “The Golden Ode”. I was in London, and it was exhilarating to call Mr. Polk in Paris, I said: “Good news Mr. Polk, the money needed for Imra’ ul-Qais project is available”; alas, his voice over the phone seem to have faded by the years: “Oh Mohammad, you have to relieve me of that duty”. The man I had known a decade ago became much older and couldn’t do more than wishing that a younger man could carry the torch. That was the end of another “Golden Ode” and its astray king.

Thursday, 24 March 2016

فيلم حلب.. مقامات المسرة

فيلم حلب.. مقامات المسرة


فيلم "حلب.. مقامات المسرة"
تعود حكاية هذا الفيلم فترة عملي في المجمع الثقافي حيث عرض علي المخرج السوري (محمد ملص) أوراق عمل لمشاريع مختلفة تشغله ويفكر بالعمل عليها. وقد وقع اختياري على مشروع فيلم وثائقي عن الفنان المخضرم (صبري مدلل)، ولم يخطر في بالي ساعتها أن رحيله بات وشيكاً، وفي ذلك الوقت لم يقم أحد بعمل أي شيء عن ذلك الفنان الأصيل ومدينته التاريخية الرائعة، التي جعلني (أبو الطيب المتنبي) أتعلق بها منذ أكثر من ألف سنة.
وهكذا بدأت هذه الرحلة الفنية مع (صبري مدلل)، بإطلالته الأنيسة الوادعة، ورصانته وعذوبة صوته، وذاكرته المشرقة.
سيرى المشاهد أن شريط الذكريات يمر بكثير من المحطات والأعلام، بدءاً من الأذان يرفعه الحاج صبري متنقلاً بصوته الشجي الصدّاح بين خمس مقامات موسيقية .. مروراً بالقدود الحلبية، والموشحات الأندلسية، والأناشيد الدينية.
بدأ الحاج صبري حياته الفنية بالإنشاد مع إحدى فرق "المولوية الصوفية" والمعروفة بين الناس بـ"الميلوية"، ويستعرض الفيلم مشهداً رائعا من إحدى رقصاتها الصوفية التي تحبس الأنفاس وتخطف الروح لتسمو بها في فضاء الوَجد والصفاء والغبطة المذهلة.
يأتي هذا العمل السينمائي ليؤكد على الجانب الوضّاء المجيد من الماضي، حيث تلتقي السماء بالأرض، والصوفية بالرقص والغناء، والحب بالعمل والخير بالجمال.. في كلٍّ إنساني متناغم ومتحد، بعيدا عن التزمُّت والانغلاق والموات. والمشاهد الذي سوف تذوب مشاعره في ثنايا هذا الفن الرفيع، وخاصة حين تسعرض الكاميرا في الختام مدينة حلب بقلعتها وأحيائها الشعبية وصروحها وأسواقها، ولا يمكن أن ننسى أننا اليوم أمام دمار مدينة تاريخية لها مكانتها المتميزة في تاريخنا القومي والأدبي والعمراني. وكم يخامر قلبي من الأسى لما ألم بهذه المدينة العريقة. لقد أتى الدمار على كل شيء جميل وأصيل فيها، ولم يبقَ إلا هذا الفيلم الذي يعبر عن أصالة هذه المدينة.

https://www.youtube.com/watch?v=vucqd8X6QwU

Monday, 21 March 2016

السيد ولـيم والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة


السيد ولـيم والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة


 
 
 
عندما عملتُ في المجمع قبل سنواتٍ خَلت، توصّلت بكتاب (المعلّقة الرابعة) لـ "لبيد بن أبي ربيعة"
وكان الكتاب (مدوّنة بصرية) تعقّبت ( لبيد) في أمكنته، وتحولاته، التي جاءت بها قصيدته.
سألت عن مؤلف الكتاب، فعلمتُ أنّه متحدّر من عائلة أنجبت رئيساً للولايات المتحدة.
ولأن مثل هذه الكتب توحي وكأن مؤلفيها عاشوا في زمن سابق، فسألت إن كان لا يزال على قيد الحياة؟ فقالوا:بلى.
فسألت عن إمكانية دعوته: فأخبرني بعضهم أن مواقف الرجل تغيّرت، وأصبح صهيونياً، ولم يعد عروبياً كما عهدوه أول الأمر.
فتركت الأمر- على مضضٍ- ولم أعد إليه في تلك الآونة.
وبعد أربع سنوات، هاتفني الصديق المرحوم (عبد الملك الحمر)، وكان يعمل – آنذاك- في المصرف المركزي، وبدا عليه وكأنه في ورطة؛ فقد كان يومه مزدحماً، ولديه رجل ربما ضاقت به السبل - ويخشى أن يضيق به هو أيضاً- يُدعى "وليم بولك".
أدركت على الفور أنه كان يعني "بولك" صاحب كتاب ( لُـبيد) ذاته.
فالرجل كان يبدو بحاجة إلى من يصغي إليه، ولقد شعر في نفسه أنه يحمل زاده معه ليستعين به على وحشة الطريق، فلقد بلغ من العمر ما يجعله ينبذ التريّث، ويمنح تصوّراً لمن يلتقيه وكأنه على عجلة من أمره.
حدّثني عبد الملك عن نيّة "وليم" في العمل على مشروع سيتناول فيه (امرئ القيس) على شاكلة ما فعله مع (لـبيد)، ولقد أعياه العثور على من يتبنّاه، فأمرؤ القيس -لا ريب- أنّه أكثر توسّعاً في شعره وأمكنته، فهو قطع شبه الجزيرة من الجنوب حيث منزله الأول في كندة، مروراً بشمالها حيث التقى (السموأل بن عادياء) في تيماء، وصولاً إلى أنقرة كما تشير إلى ذلك مجموعة من الروايات.
و- شخصيّاً- أرى أن ما تداولته المصادر أو ما ورد على ألسنة الرواة عن أمرئ القيس، هو في الأصل مجموعة واسعة من الحكايات والملاحم الشعبية، التي أصبحت في فترة التدوين تستجيب لمراكز ثقل وقوة القبائل أثناء حروب الفتح وانتشارها في جغرافيات جديدة، وظهور النزعة القبيلة بعد فترة الخلافة الراشدة، وكان من الضروري أن تعمل القبائل على سرد الماضي وبيان مآثرها وقوتها فيه وكيفية انعكاس ذلك على حاضرها، من خلال استثماره في الوضع الجديد كأمراء على الأمصار أو قادة على الجند. لأنني أثق أنّ امريء القيس لم يذهب إلى أنقرة ليستنجد بملك الروم ولم تنته حياته غريباً على جبل يُقال له عسيب، وحتى الحكاية التي ربطته بالسموأل أجد أنها على غير ماورد في الروايات، فإذا كان أمرئ القيس بلغ تيماء والتقى بالسموأل حقا، فأجد أن السموأل استأثر بدروع أمرئ القيس لنفسه ولم يسع إلى التخلي عنها رغبة في الاستحواذ عليها، لأن الروايات لم تشر إلى ما بعد مقتل ابنه، ولا نعرف من مصيره شيئاً، وكأن الرواية كانت مقطوعة عن سياقات كثيرة لتمنح دليلا في اتجاه آخر حول وفاء الرجل، وأجد أن هذا الأمر كان جزءاً من صراع النفوذ والقوة والتأثير بعد سقوط دولة بني أميّة، والعمل على تقاسم تركاتهم في دولة بني العباس التي اتسع نفوذها وتضخّمت مؤسساتها.
عندما رأيت أن عبد الملك -رحمه الله-، كان يسعى إلى تعريفي بالسيد "بولك" ليتخفف من مشقة الاستماع إليه، فقلت له: أرسله لي.
كان صوت عبد الملك يصلني عبر الهاتف وكأنه يستنجد.
ما أن التقيت بالسيد "وليم" وشرعت بالحديث معه، حتى أدركت معاناة عبد الملك.
ولكنني فوجئت بأن الرجل لم يرتدّ عن مواقفه، بل العكس، أصبح أكثر التزاماً بها، ولكنه وهو في مثل هذه السنّ، كان قد حدّد أولوياته، ويبدو - من خلال وجهة نظره- أن لا شيء يجب أن يسبق القيام بمشروع (المدونة البصرية) التي سيتناول فيها امرؤ القيس.
ثم قال لي أن مشروعه يحتاج إلى ميزانية تتحرّك بين مليون ونصف، إلى مليوني دولار.
فشعرت بمرارة لعدم استطاعة المجمع توفير مبلغ كبير كهذا - في تلك الأيام-، حيث كانت الميزانية السنوية بالكاد تلبّي الفعاليات المقررة سلفا.
ففكرت بمن في وسعه أن يتبنّى أفكار السيد "وليم" ويكون قادراً على تمويل أحلامه.
وبعد يوم جميل تخللته الحكايات على تنوّعها غادر السيد "وليم" إلى باريس حيث يقضي فيها سنوات تقاعده.
لم أنقطع عن التواصل معه طيلة سنوات، و- في الوقت ذاته- لم أكفّ عن التفكير بضرورة إنجاز عمل مشترك يتناول أول (ملك ضلّيل) وصلنا شعره وسيرته.
وفي أواخر عام 2000، ولم تكن الفكرة قد برحت ذهني بعد، قرّرت أن أتبنّى المشروع شخصيّاً، خصوصاً وأن الإتفاق كان على ظهور الكتاب بذات جودة كتاب (لـبيد)، ولقد شعرت بمزيج من الغبطة والفخر وأنا أهاتفه، وكنت حينها في لندن.
وقلت له يا سيد "بولك" أريد أن أزفّ إليك خبر توفير المبلغ الذي سيمكّنك من إنجاز مشروع امرئ القيس
فجاءني صوته ضعيفا وهو يقول: آه يا محمّد، عليك أن تتقبّل اعتذاري عن القيام بهذه المهمّة..
فالرجل الذي عرفته قبل عقد من السنين أصبح هرماً، ولم يعد بوسعه أن يفعل شيئا أكثر من أن يتمنى أن تسنح الفرصة لأحد الشباب ليكمل ما بدأته.
وكانت تلك المكالمة نهاية حلم المعلّقة الذهبية وملكها الضلّيل.

اسبح ياضبّ وكل العرب

 


في جولة مع (الوالد) في جنائن "الريجنت" الملكيّة، كان طالع الطرف النجم البرتقالي العملاق حانياً على عاصمة المملكة المتحدة، فدرجة حرارتها لا تتجاوز العشرين، بَيْنَا يشتدّ لهيب الشمس، ويستعر، وتزداد الرطوبة في البلاد، أمّا سهيلُ الذي يظهر في هذه الآونة في بلادنا فلا يلطّف إلاّ الصحراء، وليس له علاقة بالساحل.
كان الوالد يردّد قصيدة الشاعر كليب بن عبد الله الهاملي - وهو ابن عمّ الشاعر سعيد بن عتيق-:
يا باري الأنفاس لطفاً بمنصاب ذنبٍ تخرّس دمعته فكّة الجيب
... ولمّا بلغ:
لا هم بني عمّي ولا هم لي أنساب كنّي مطيريّ وهم ماليعاجيب
قال هذا بيت من الأبيات (السائرة)، ومعناه: أنّ الشاعر لا يرتبط والممدوح بنسبٍ، ولكنّ ما دفعه للمدح؛ السمعة والكرم، وهو في بعد النّسب عن الممدوح كالمطيري واليعقوبي.
ومطير: هي قبيلة قيسيّة، مضريّة، عدنانيّة، تسكن في شمال شرق الجزيرة العربيّة، وأمّا اليعاقيب: فهم حكّام عبري في عمان، وهم من قحطان.
ومنها: تلقى لهم من كل ندّ ومرقاب علمٍ كما نبت الحيا في المياذيب
الناس شروى سبع هجنٍ ويدّاب وهم كما سبع السنين المخاصيب
يا من على سمت العزيزين وضّاب مدحتكم قصدٍ وكفوٍ وترغيب
والقصيدة في مدح الجدّ (أحمد بن خلف العتيبه)، قال الوالد: لحقنا على عيال كليب ولقد قضوا جميعهم - رحمهم الله-.
كنّا عند العمّ (سعيد) عندما قال: كان البحّارة الحسدة، عندما يرون الشاعر كليب مقبلاً يسبح، وفي عمامته القصيدة يقولون: اسبح يا ضبّ وكل العرب، وقال الوالد موضّحاً: تنتشر سفن صيد اللؤلؤ فوق (الهيرات) وهي الأرض الصخريّة التي يعلق بها المحار في جماعات بين الثلاثين والأربعين سفينة، وكان الجد (أحمد بن خلف) يقف على مسافة - ليست بعيدة- عن هذه السفن، وإذ كان التنقل بين هذه السفن متعذّرا إلاّ عن طريق السبّاحة، هكذا أقبل الشاعر كليب الهاملي يسبح إلى سفينة الممدوح وهو يضع القرطاسة التي كتبت عليها القصيدة في عمامته، حتّى لا يبلّها الماء، فما كان من البحّارة الحسدة إلاّ أن هبّوا في الزائر القادم هبّة رجل واحد قائلين: اسبح يا ضبّ وكل العرب. 
وأضاف الوالد أن المسافرين، أو التجّار، عندما يسافرون من بلدٍ إلى بلدٍ كانوا يحملون معهم الرسائل وما أن يصلوا حتّى يبلّغوها إلى أهلها، وكانوا يضعونها بين الغترة والعقال عندما يقبلون على أصحاب الرسائل، فيكرمون وفادتهم.
 

Saturday, 19 March 2016

حكاية القرشيّ بائع السقنقور

 


حدث ذلك في رحلة أسوان وكان برفقتي الأصدقاء محمود خضر، ويوسف زيدان، وابراهيم بو مجيد، ومحمد خضر قبل أن يلتحق بنا السيد "نيفل وليم" في الأقصر، عندما تعرّفنا في السوق الشعبي بأسوان على رجل قرشيّ نزحت عائلته من مكة منذ عصر الفتوحات المبكّرة ولم تبرحها، وكان يبيع (السقنقور) وهو ذكر التمساح (احليل التمساح)، ولقد كان دكان القرشيّ موصوفاّ بجودة هذه السلعة.
فاقتنينا البعض منه، أما صديقنا ولم يكفّ أحد أصدقائنا قبل أن يملأ عدة قنانٍ منه.
وكانت تبدو على سحنته الجدية، وتصديق مفعوله في القوّة على الباه (الجنس).
ولقد أشارت كُتب التراث المتخصصة في الباه إلى خواصه العجيبة، ومفعوله الأكيد.
فاتصلت بصديقي الشاعر المصري - من شعراء اللغة المحكية- لأعلمه بمجيئي ووجودي في أسوان، وعرّجت في الحديث على (السقنقور) وأخبرته أنّ إبراهيم عازمٌ على تجربته.
فقال - رحمه الله- على الفور أّنه جرّبه من قبل شخصيا، ولقد حدث ذلك بتزكية من صديقه المرحوم - كاتب روائي من جيل الستينات-، ثم صمت لبرهة وكأنه يستعيد تلك الواقعة قبل أن يقول: بعد أن تناولته في وقت اتفقت عليه مع الصديق - الكاتب الروائي المذكور- شعرت بمغص شديد لم أعهده من قبل فتردّدت على الحمام مرات عدّة حتى حدست أن روحي ستخرج من بدني.
فخشيت أن أكون أخطأت في تحضيره أو تناولت أجزاء محظورة منه فحدث ما حدث، فقررت مهاتفته لأعرف الأمر منه، فأجابتني زوجته أنه لم يبرح الحمام منذ أن دخله في ساعة مبكرة من الصباح. فملت إلى مرافقنا ونبهته إلى ما ينتظره قبل أن يزجّ بنفسه في هاوية القرشيّ ويصبح نزيلاً للحمام.
ويبدو أن هذه الخاصية كانت في التماسيح قبل قيام السدّ العالي عندما كان في تماسيح النيل ما يوقظ الباه، وأما الآن فذهب ذلك الجيل الذي يطلق (الباه) وحلّ جيل يطلق (البطن).
  

Thursday, 17 March 2016

على خطى جوقة الرجال الأفذاذ

 


قليلةٌ هي الكتب التي تغيّر مساراتنا، وتلزمُنا بعد هذا كالظل، الذي لا يفارقنا ..
وليس كتاب (قصّة الحضارة) لـ "ويل ديورنت" سوى واحدٌ من أهمّها.
ولقد قرأت المجلدات الإثني والأربعين مرّات عدّة، وكنت مستريحاً الى أنّ "ديورانت" قد ختم عمله الكبير بالمجلد العاشر عن الثورة الفرنسيّة أو عصر "فولتير" حسب ما انتهت به الطبعة الصادرة من إدارة الثقافة التابعة للأمانة العامة في جامعة الدول العربيّة، والتي وضع مقدمتها الدكتور/ محي الدين صابر، والتي أسهم في ترجمة ومراجعة مجلداتها الدكتور/ زكي نجيب محمود، والأستاذ/ محمد بدران، والدكتور/عبد الحميد يونس، والأستاذ/ علي أدهم، والأستاذ/ فؤاد أندوراس، - وهم من أعلام الثقافة الذين أدوا خدمة جليلة للفكر العربي في تواصله مع الفكر العالمي.
وأضاف الدكتور صابر في مقدمته قوله: "ولم يكن لهذا المشروع الطموح أن يتحقق، لولا إيمان القائمين عليه بأهدافه الثقافية والقومية، فلقد بدأ المشروع، في الإدارة الثقافية في الأمانة العامة بالجامعة العربية مثل كثير من المشروعات الثقافية والتربوية، إلى أن قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في عام 1970، فآلت إليها، كل الأجهزة الثقافية في الجامعة العربية، فأكملت المنظمة تمويل المشروع والإنفاق على ترجمته. حتى صدر الكتاب في القاهرة، عن لجنة التأليف والترجمة والنشر -التي يتوجه إليها الشكر في هذا المقام-، في طبعتها الأولى (1965)، وقد صدر منها لغاية الآن اثنان وأربعون جزءا". وأمّا الدكتور/ زكي نجيب محمود - في أكتوبر 1949 – في كلمته، فيذكر شاكراً فضل أستاذنا الجليل الدكتور/ أحمد أمين بك، في هذا العمل، باعتباره مشرفاً على النشاط الثقافي لجامعة الدول العربية الذي قرر أن يترجم هذا الكتاب.
ولمّا كنت من أشدّ المعجبين بالكتاب فلقد كلّفت الأخ/ سلطان الخطيب، بتصحيح المصطلحات الموسيقيّة في الفصول المتعلّقة بـ "باخ" و"هاندل فطلب النص الإنجليزي، الذي أمرت بالحصول عليه، فوصل، لأفاجأ أنّ "ويل ديورانت" الذي قال في المجلّد العاشر –عصر فولتير- أنّه قد تحتّم عليه التوقف عند هذا الحد، وترك فرصة للجيل الشاب لإكمال هذه المهمّة عاد في مجلّد جديد أسماه عصر نابليون – المجلد الحادي عشر- وقال: إنّه انتظر الحصّادة التي تحصد الأرواح فأبطأت ولأنه لم يعهد الكسل ولا الخمول فقد قرر المضّي في مشواره ليتابع قصّة الحضارة بإضافة جزء جديد الى السلسلة، فشعرت وكأني بتلك الجوقة من الرجال الأفذاذ يطالبونني بإتمام ما بدأوه من ترجمة، فكلّفت الصديق/ عبد الرحمن الشيخ، بترجمة المجلّد الحادي عشر، والذي انتهى في مجلّدين بالعربيّة صدرا في 1996 عن منشورات المجمع الثقافي، كما كلّفت بوضع محتوى السلسلة رقميّا على شبكة الإنترنت، وتسجيل بعض من منتخباتها صوتيّا، وقد كان.
*يمكنكم زيارة الموقع الخاص بكتاب ‫#‏قصة_الحضارة‬ لـ ديورانت ضمن مشروعاتنا الثقافية من هنا:
http://www.civilizationstory.com/


عنقود من الذكريات

 


في عام 1963 وصل محمد الحبروش إلى لندن للمرة الأولى، ومكث فيها سنتين يتعلّم اللغة الإنجليزية، ثم انتقل لإكمال تعليمه في بغداد، التي شهدت - قبل فترة وجيزة من وصوله - انقلابا عسكريا كبيرا انتهى بمقتل أول رئيس للجمهورية في العراق.
كان وصوله متزامنا مع الوعود بمجتمع مدني في عراق كان قد خرج قبل سنوات قليلة من مجموعة من الأحلاف الإقليمية والدولية.
وفي عام 1964، ذهب أول وفد تجاري ظبياني إلى لندن، ونزل في فندق راسل. وكان الوفد برئاسة السيّد خليفة بن يوسف، وعضوية كل من: عبد الجليل الفهيم، وأحمد المسعود، وراشد بن عويضة، وعيسى بن محفوظ، وهامل الغيث، وإسماعيل عبّاس إسماعيل. ولقد أخبرنا الأخ مانع العتيبة بأنه كوفئ من الأخ خليفة بن يوسف على الترجمة بخمسة جنيهات، وبعشرين من المسعود. أما سلطان بن شخبوط الذي استقبل أعضاء الوفد في الهيلتون وعرّفهم على الشيخ خليفة بن سلمان، فقد دفع له 50 جنيها فاقتسمها مع محمد الحبروش بالنصف. 
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أجرة القطار في تلك الأيام كانت تساوي جنيهاً.
وقبل أيام، وفي زيارة قام بها السيد محمد بن عبد الجليل للوالد، وفي مشروع استعادة وتدوين الذاكرة الظبيانية، أكّد لنا أنه كان من ضمن الوفد الذي التقى الحبروش في فندق راسل.
أما الحبروش ذاته فكان عمله مترجماً ووسيطا بين ممثلي الشركات الذين تقاطروا إلى اللقاء بتجار أبو ظبي، خصوصا وأن الوعود التي حملتها الإمارة الغنية بالبترول كانت كبيرة ومبشّرة.
وبالفعل تم الاتفاق مع عدد من الشركات في مجالات مختلفة. وفي المقابل، لم يكترث الوفد بضرب آخر من الشركات، وتحديدا تلك التي تعمل في مجال مستحضرات التجميل.
وفي ذلك اليوم ذاته، جمعني لقاء مع الأخ عبد الله بن حمد العطية، وسألته عن يوم ميلاده، فلم يكن يعرفه على وجه التحديد في التاريخ الميلادي، ولكنه يعرف وبشكل لا يرقى إليه الشكّ أن ولادته كانت في الأول من رجب عام 1371هـ، ثم أردف أنه لا يخرج عن أحد البرجين، إما الحمل أو الثور.
فقلت له، تريّث يارجل، فلقد بلغت مرادك وقادك حظّك إلى من يستطيع أن يعيد إليك تاريخ ميلادك بلا زيادة أو نقصان.
ثم قمت بعملية تحويل التاريخ الهجري إلى الميلادي، فتبيّن أنه من مواليد 17 مارس 1953، وليس هناك من صلة تجمعه بالحمل أو الثور، بل إنه من مواليد برج الحوت، ومن أجل هذا غاص العطية عميقا وغاب عن نفسه ولم يدرك يوم مولده إلا في لندن 2015.
ثم قال وهو يتطلّع إلى عينيّ بثبات: لقد كنت محظوظا يامحمد، على العكس مني.
ــ وكيف ذاك؟
ــ لقد ولدتني قابلة في البيت، أما أنت فلقد كانت ولادتك في مستشفى (حمدة) الذي أصبح من أعلام الذاكرة القطرية، والمستشفى تم افتتاحه عام 1958، أي قبل مولدك بعام.
ثم قال وهو ينقل بصره إلى البعيد وكأنه في مهمّة ليستحضر أمرا عظيما: أطلق القطريون على المستشفى اسم (حمدة) نسبة إلى الدكتورة إقبال حمدي التي توفيت منذ أعوام قليلة، كان ذلك في 16 سبتمبر من عام 2012 بعد أن قضت الأشهر الأخيرة معتكفة بالمسجد الحرام، قبل عودتها إلى مصر ووفاتها.
وتُعدّ الدكتورة إقبال كامل حمدي أشهر طبيبة ولادة في قطر، وكانت قد وصلتها قادمة من مصر عام 1958، وكان القطريون في الدوحة إذا أرادوا أن يقصدوا المستشفى يقولون: "بنروح مستشفى حمدة"، وهو ذاته مستشفى الدوحة الذي غلب عليه اسم الدكتورة، فنسي الناس الاسم الأصلي، بعد أن تمّ تحويله إلى مستشفى للنساء والولادة بمبادرة من الشيخ علي عبد الله الذي اقتنع بالحجج التي ساقتها الدكتورة إقبال.

أما اسم حمدة، فكان بسبب أن المستشار البريطاني كان يناديها باسمها العائلي: حمدي.
ولأن الوالد ذكر في صدد ميلاد ابنته البكر، الأخت موزة، أنه كان قبل عام من مولد العطية، وكان ذلك تحديدا في أغسطس من عام 1952، فهي تكبر العطيّة بعام.
لقد احتاج العطية إلى ما يزيد على ستين عاماً ليدرك أنه لم يكن في يومٍ حملا، وليس بالطبع من مواليد برج الثور. ولم نحتج في زمن الإنترنت والتواصل الاجتماعي إلا لدقائق فحسب لنخرجَ الحوت من أعماق الماء.
قلت له وأنا أزف إليه الخبر اليقين في تحديد تاريخ ميلاده: خذ الحوت بقوة يا عبد الله، فأنت منذ اليوم من مواليد أبراج الماء.

 

Sunday, 13 March 2016

من هدريان إلى القابضين على الهواء .. مشاهدات في إيطاليا

الأحد ، 13- مارس 2016.‬ .
من هدريان إلى القابضين على الهواء .. مشاهدات في إيطاليا -
مقال لــ‬.

ترى هل دار في خلد هذا البنّاء العظيم كم من القرون وكم من العظماء سيأتى على صرحه هذا، وهل كان يدري عندما سئل: لم لا يخلّد إسمه على أي من أعماله العديدة؟ فأجاب: سيكون ذلك مبعث سعادتي، ولكنني أكثر سعادة في نسبتها إلى المؤسسين الأوائل الذين لهم الفضل في ترسيخ دعائم الإمبراطوريّة. هل كان "هدريان" يعلم أن هذا القول ستحفظه القرون؟

بقية المقال اضغط هنا:
http://www.alhayat.com/…/من-هدريان-إلى-القابضين-على-الهواء-…
المقال ـــــــــــ



إنّ كان ثمّة مكان يحتلّ الصدارة في قائمة الأماكن التي ينبغي عليك زيارتها في إيطاليا، فهو مبنى الآلهة (البانثيون) واسطة عقد روما وأحسن بناء احتفظ بشكله من أبنية العالم القديم، والذي لا تحتاج إلى الكثير من الوقت لتصبح مسكوناً بجماله. إن السير بضع خطوات في رواقه والدخول في فراغه يشعرك بمتعة غامرة تتخطى حدود العصور. هنا يختزل التاريخ ألفَيْ عام من الزمان بكل التفاصيل، ويزدحم أعلام ارتبط عبورهم بالمكان أو تردد حديثهم عنه بكثافة: هدريان، أنطونيوس، ماركوس، لوكيوس، دافنشي، مايكل أنجلو، رافائيل، جوته، قائمة ليس لها نهاية.
الكلمات المنقوشة على مدخل صرح البانثيون «شيّده ماركوس أجريبا بن لوكيوس»، والتي تعزو هذا البناء إلى «أجريبا»، مُضلّلة. فمعبد أجريبا الذي شُيّد في سنة 27 قبل الميلاد، أتى عليه حريق روما عام 80، ثم شَيّد الإمبراطور «دوميتيان» معبداً لعلّه لم يُرضِ «جوبيتر»، إذ أرسل عليه صاعقة من السماء أحرقته عام 110، ثمّ جاء البنّاء العظيم الإمبراطور «هدريان» عام 126، ووضع بنفسه تصميم المكان وأمر بنقل الأعمدة الجرانيتية الكورنثيّة التي تزيّن مدخله، ويبلغ وزن الواحد منها ستين طنّاً. وقد تم نقل تلك الأعمدة من جبل كلوديانوس في شرق صعيد مصر عبر النيل إلى الإسكندريّة، ثم حُملت عبر البحر الأبيض المتوسط إلى ميناء أوستيا في إيطاليا، وبعد ذلك تم نقلها عبر نهر التيبر. ولقد وصف تحفته هذه بقوله: كانت رغبتي أن يحاكي صرح الآلهة هذا عالمنا الأرضيّ والفضاء الكونيّ، فالقبّة السماويّة تكشف السماء من خلال بؤبؤ ضخم يبيّن اختلاف الليل والنهار. إن هذا الصرح المفتوح والمغلق بطريقة غامضة في آنٍ بمثابة ساعة شمسيّة، ودائرة السقف التي صقلتها أيدي الحرفيين الرومان المهرة تشكّل ساعاتها؛ هناك يستقرّ قرص الشمس معلّقاً مثل درع من ذهب. وما إن حلّ عام 609 حتّى وهب الإمبراطور «فوكاس» الصرح ودرعه إلى البابا «بونيفيس» الرابع الذي كرّسه للقدّيسة مريم وكلّ الشهداء. وفي 663 انتزع الإمبراطور البيزنطي «كونستانس» الثاني بلاط السقف الذهبي وصفائح الذهب التي تزّين الأبواب. وفي القرن الرابع عشر صار سوقاً للدواجن، وفي 1632 أذاب «أوربان» الثامن بقايا أروقة المعبد البرونزيّة لصنع المظلّة المرفوعة فوق المذبح العالي في كنيسة القدّيس بطرس. واعتقدت العامّة في القرون الوسطى أن المبنى كان مسكوناً بأرواح شرّيرة، وأن مريم البتول هي التي طردت الشيطان، الذي ضاق ذرعاً بالحبس حتّى فرّ من فتحة السقف. وقال مايكل أنجلو الناقد الحذر في فن المعمار عام 1500م عندما شاهده لأول مرّة: «هذا من صنع الملائكة». وقام بايرون بتدبيج قصيدة رائعة فيه، وكتب هنري جيمس لأخته بعد أن شاهده أول مرّة، بأنه مبعث أسى كلّ من ليس وثنيّاً. واختاره رافائيل مكاناً لمثواه الأخير، وتبعه سائر ملوك إيطاليا. ولمّا رآه جوته فتن به وقال: ترى كيف يتسنى لنا، نحن الصغار، المعتادين على الصغار، أن نضارع مثل هذا الكمال السامي؟
ترى هل دار في خلد هذا البنّاء العظيم كم من القرون ستأتي على صرحه هذا؟ وكم سيشهد من العظماء؟ وهل كان يدري عندما سئل: لم لا يخلّد اسمه على أي من أعماله العديدة؟ فأجاب: سيكون ذلك مبعث سعادتي، ولكنني أكثر سعادة في نسبتها إلى المؤسسين الأوائل الذين لهم الفضل في ترسيخ دعائم الإمبراطوريّة. هل كان «هدريان» يعلم أن هذا القول ستحفظه القرون؟ كان هدريان أحد أعظم الأباطرة الخيّرين كما أسماهم «ميكافيللّي»، عندما لاحظ الأخير أن الأباطرة الذين وصلوا إلى العرش من طريق التبنّي هم أفضل شأناً من أولئك الذين وصلوا إليه من طريق الوراثة. كان «أغسطس» يرى أن الولايات توابع لإيطاليا تفيد منها مالاً وثراء، وكان يحكمها حكماً صالحاً لتدر الخير على إيطاليا. أما هدريان فلم يعد يرى روما جابية الضرائب لإيطاليا، بل كانت الحاكم المسؤول عن دولة يستمتع كل جزء من أجزائها بقسط من عناية الحكومة مكافئ لما تستمتع به سائر الأجزاء. لقد رأى هدريان قبل موته الدولة كلها بعينيه وجمع شتاتها ووحدها، وكان قد وعد أنه: «سيدبر شؤون هذه المجموعة من الأمم تدبير من يدرك أنها ملك الشعب لا ملكه الخاص»؛ وقد أنجز ما وعد.

خبز وزيت
إنّ تكبّد عناء السفر إلى «ليجوريا» في إيطاليا لتناول قطعة من الفوكاشيا أعدّتها يدا أنبري (عنبر) هو عناء قليل... إذا ما قورن بمتعة مذاق الخبز، إنّه خبز الآلهة.
أما الفوكاشيا فهي خبز اشتقّ اسمه من لفظ الموقد، وهو في شمال إيطاليا يوازي البيتزا في الجنوب، والاختلاف بينهما في التخمير؛ ففي الأولى تبقى الخميرة مدّة أطول فيصير الخبز قابلاً للتشرّب بزيت الزيتون، بينما يبقى السطح أصلب في الثانية. والفوكاشيا مشهورة في الشمال، وألذّها تلك التي تعدّ من الطحين الصافي. وتفتخر ريكّو بإعداد أطيب الفوكاشيا، وخصوصاً في مطعم مانيولينا الذي كنّا ضيوفه. أمّا اسم المطعم فهو اسم السيّدة التي عاشت في هذه القرية عام 1885، وكانت تعدّ لمن ألمّ بها ذلك الخبز مع جبنة السترانسينو الطيّبة، خصوصاً أولئك الذين فاتتهم وجبة العشاء أو طرقوا بابها بعد منتصف الليل.
والسترانسينو من أجبان الشمال الإيطالي الفاخرة، ويصنعونها من حليب البقر بعد عودته من أعالي جبال الألب، وقد كدّه التعب فينتج حليباً دسماً تشوبه حموضة. وتعتبر «ليجوريا» عقداً واسطته جنوة المشهورة بالتقتير والبخل، ولها ذراعان: شمالي متّصل بالريفيرا الفرنسيّة، وجنوبي ينتهي عند بورتو فينيري. ومن أشهر قراها «راباللو» و»ريكّو». وإذا يمّمت لوجوريا... عرّج على ريكّو وأقرئ عنّا مانيولينا السلام، وتذوق أطيب فوكاشيا تخرج من الفرن ساخنة كدموع العاشقين.

مطعم «جاكومو أرنكاريو»
هرباً من سياط برد يناير ولسعات زمهرير الشولة، دلفنا إلى مبنى متحف الـ 900 بواجهاته الزجاجية العملاقة وأطلقنا العنان لأقدامنا في صعود لولبيّ على درج مطعم «جاكومو أرنكاريو»، واخترنا طاولة تطلّ على ساحة «دومو» في ميلانو. ولعلّ في ميلانو واحدة من الغرائب التي لا يمكن أن تعثر عليها في مكان آخر، فهي عاصمة إقليم لامبارديا في الشمال الإيطالي، وتقع في قلب وادي البو في وسط الطريق إلى نهر البو جنوباً والبحيرات وجبال الألب شمالاً، إلا أنها تُعدّ أكبر سوق تتركّز فيه تجارة السمك في إيطاليا، فيؤتى إليها بالسمك من كلّ بحرٍ وفجّ عميق قبل أن يوزّع على المدن الإيطالية الأخرى.
وأنت في ميلانو، لا يفوتنّك العجل الميلاني المسمّن برفاهية، والمهدى إليهم من النمسا، أو الرز بالزعفران، وهو ضرب من الرز لا يشاركها به أحد، فهو يُزرع في تيمونتي وتمونتوا، ويساوي وزنه ذهباً وهو الأمر الذي يتمدّد خارج المجاز اللغوي، عندما يُقدّم إليك متوّجاً بشريحة من الذهب.
كانت الحياة تدب في ساحة دومو التي نواجهها بوجل يليق ببرد يناير الذي يعرف طريقه إلى مسالك الجسد فيهزّه هزًّا عنيفاً وكأنه يُذوِّب بعضاً من جسمه فيه، أو يوزّع جسمه في جسوم كثيرة تشكّل ماراثون البرد الميلانيّ. في هذا المطعم طلبنا طبق التونة ترتار، وسلطة القباب والأفوكاتو ولحمة الفيسوني، وهو عجل عرفت الرفاهية طريقها إلى لحمه فصار لا يحتاج إلا لثلث ما تحتاجه اللحوم الأخرى من وقت لينضج.
تبادلنا حديثاً مع نادل طاولتنا (دانييل)، كان يقدم ساقاً ويؤخر أخرى ويداه تصفّ الأطباق عندما حانت لحظة قال فيها: إنه من برج الميزان، ثمّ عدّل طبقاً آخر على الطاولة قبل أن يسحب يده ويردف قائلاً: إنه برج الباشوات. وصمت لبرهة قبل أن تنفجر إحدى الجالسات معنا بضحكة مدويّة لم تتمكن من حبسها، فانطلقت من عقال فمها حتى أرسلت عيناها الدموع. أردت أن أتبيّن السبب في هذا الضحك الذي لا يبدو أنها ستكفّ عنه، خصوصاً بعد أن بدأت كلماتها تصلنا مقطّعة الأوصال وكأنها في قيامة غير منجزة، فقالت زميلتها: إنها تقول: إذا كنت يا دانييل من برج الباشوات حقاً، فما عليك إلا أن تثبت ذلك بعمل خصم على فاتورة الحساب.
لقد عمل دانييل في بقاع وجغرافيات تتوزّع مشارق الأرض ومغاربها، ولم يبقَ له من باشويته سوى الميزان، فقلت: لعلّ الجوزاء كانت تسكن قبة السماء حينما وُلد، فانحرف عنه المجد.
قال أحد الأصدقاء لدانييل وقد تساءل ما الذي يدعو إلى كلّ هذا الضحك: إنّ صديقتنا الضاحكة تسألك إن كنت مستعداً لتخصم من فاتورة الحساب على ما درجت عادة الباشوات؟. عندها رمقنا دانييل وتنقّل ببصره هنا وهناك، ثم أدار لنا ظهره من دون أن ينبس بكلمة واحدة، وخاصمنا خصاماً عتيداً كخصام الباشوات.

إلى ليجوريا
ليجوريا حيث السحران الماري والمونتي (البحر والجبل)، وما بينهما الريفيرا الإيطاليّة، وهي أصغر مقاطعات إيطاليا العشرين. فإذا كانت جنوة واسطة العقد، فبورتو فينو هي لؤلؤة الغوّاص، كانت في ما مضى قرية صغيرة نائية، واليوم هي محط رحال أثرياء إيطاليا وسياسيّيها، في فندق «السبلنديدو» حيث يطل عليك من الجدران أشهر نجوم هوليوود في الخمسينات: ليزا مانيلي، وهمفري بوغارت، وشارلتون هيستون، وديفيد نيفن، وغيرهم. ومن هناك يمكنك الحصول على أجمل إطلالة على البحر. وأمّا الطريق المفضي إلى الفندق فطالما قطعناه سيراً، غادين من راباللو أو رائحين إلى سانتا مارغريتا ليجور، في أجمل النزهات على ضفاف البحر. وإذا كانت بورتو فينو الغنيّة بالأسماك والأصداف والقواقع تنصب الكثير من مطاعمها فخاخاً للسيّاح الأجانب الذين لا يميّزون بين غثّ الوجبات من سمينها، فأطباقها الذائعة الصّيت متوافرة في الصفوة من مطاعمها المخبوءة بين الأزقّة، والتي لا يهتدي إليها الاّ الضالعون في تقصّي ما تجود به قرائح الطهاة الطليان. وحسبك ماريو الأسد، الذي كان ينفث سحره في مطعم «باتّي» حيناً من الدهر. إن طبق السلطان إبراهيم «رد مالوت»، مع زيتون «تاجاسكا» المحلّي الشهير والباذنجان، يؤذّن في الناس ليحجّوا إلى ليجوريا من كل فجّ عميق.









حكاية العم سعيد العتيبه والزنوزج


حكاية العم سعيد العتيبه والزنوزج


على حين غِرّة .. وَجَدَ العمّ (سعيد بن أحمد العتيبه) نفسه في خضمّ مظاهرة كبيرة من زنوج، ذوي بأس، وصوماليين، على القنصلية البريطانية في الدوحة إبّانَ العُدوان الثُلاثي على مصر عام 1956.
كان (حمد العطية) - رحمه الله - قد ألهبَ حماس العمّ (سعيد) لمعرفته أنه رجل فيه من الحميّة والنخوة ما تحمله على أن يرمي بنفسه في المهالك قبل أن يرتدّ إليه طرفه.
وبغتة .. وجدَ العم سعيد نفسه مع مجموعة من طوال القامة كلّ واحدٍ منهم كانت تبدو يده وكأنها منجنيق حيّ، تخرج الحصاة منها وكأنها طلقة (كاتيوشا) لا تبقي ولا تذر.
فأمطر – وصحبه - مبنى القنصلية البريطانية بوابل من سجيلِ طوالِ القامة من ذَوي البأس حتى أوشكوا أن يجعلوها كعصف مأكول.
أمّا (حمد) الذي أوقد جمرة الحماس في قلب (سعيد) فلم يكن ممن وصل إلى بوابة القنصلية، بل كان في الصفوف الخلفية للمظاهرة.
وأما سعيد، فلقد وجد نفسه يتقدّم الجميع وليس سواه معه... عِقاله في رقبته، والشرر يتطاير من عينيه، والحجارة في يده، حتى رأى (محمد بن عبد الله العطية) مُنتصباً أمامه في باب القنصلية وكان قائداً للحرس. لم يكن (محمد) قد عرف في (سعيد) مثل هذه الميول فقال له: "أنا أحيد فيك عقل يا سعيد.. شو جابك هنا"؟
فقال سعيد: "نعم، شو جابني هني."
والتفت للبحث عن (العطية) الذي ربما سيوفّر إجابة لـ (محمد)، ولكنه لم يعد موجوداً.
ثم عاد يستردّ البَنادق من الصوماليين وحشد الزنوج من ذوي المنجنيقات الحيّة، ويسلّمها للشرطة.
يقول العم ( سعيد) وهو يوشك على إنهاء سرد حكايته: شعرت أنني في عصابة من الغرباء، دفعوني، وانسحبوا من حيث لا أعلم.....

Friday, 11 March 2016

مكتبة جامعة كيمبردج


مكتبة جامعة كيمبردج


دُعيت ذات يوم أثناء وجودي في معتكفي اللندنيّ إلى مكتبة جامعة كيمبردج
وتحديداً إلى قسم المخطوطات الشرقية، وقيل لي إن هناك بروفيسوراً يتقن ستّ لغات منها العربية وسيسعده أن يتمكّن من اللقاء بي.
وعندما دخلت حرم المكتبة رأيت جليّاً تلك الفخامة التي صقلتها سبعة قرون وملايين الأصابع والعقول وفراسات العلماء.
وكان فيها رجال أمن ينتشرون في زواياها وأجهزة تفتيش.
استقبلني شاب لا يتجاوز الأربعين من عمره ألماني الجنسية، وقدّم نفسه مسبوقاً بصفته العلمية: البروفيسور.
وعندما عرّفته بنفسي، توقّف برهة قبل أن يسألني: هل أنت صاحب الورّاق؟
فقلت له بنوع من الحرج لأنّ السؤال كان مباشراً ودون مناورة: نعم، أنا صاحب الورّاق.
فقال إنه من أشد المعجبين بالموقع، وإن أكثر ما يشدّه فيه هي كتب المطبخ الإسلامي، وفي كل أربعاء يُعدّ لزوجته طبقاً يختار طريقة إعداده منها، وكان آخرها طبق السكباج.
وهنا ضاعفت معرفته بالسكباج حرجي، فلم أكن قد سمعت باسمه من قبل
ثم حاولت أن أستنجد بأحد ليرشدني إلى هذا الطبق العجيب وصفته، ولكنني لم أعثر على مرادي.
ولاحقا علمت أن السكباج طبق يُعد باللحوم المنقوعة بالخل والتوابل وتكون الفواكه المجفّفة قوامه. وقرأت بعض الحكايات التي تناولته وقالوا في شأنه أنه طبق ملوكيّ كسرويّ انتقل إلى خلفاء بني العباس بسبب التداخل الجغرافي وتواصل النسيج السكاني بين الحضارتين، فلقد كانت طيسفون على دجلة عاصمة للأكاسرة طيلة قرون، ولا بدَّ أن تسلّل السكباج منها إلى ما يجاورها من بلاد وهي كثيرة وعامرة منذ ذلك الوقت.
وتسرد مرويّاتنا التاريخية حكاية طريفة عن المتوكّل وكان خرج في جماعة من صحبه قاصداً الفرات، وبينما هو منشغل في أمر وإذا برائحة السكباج تعرف طريقها إلى أنفه، فأمر أن تكون الإقامة حيث يمكنه أن يتشمّم الرائحة.
فرأوا في عرض الفرات مركباً يعكف بحّارته على إعداد السكباج. وبعد هنيهة فوجيء بحّارة المركب بجند الخليفة وهم يحملون قدور السكباج إليه.
فأكل منه حتى فرغ، وأعاد القدور ملأى بالدنانير إلى البحّارة.
وكان في مجالسه يستعيد على ضيوفه وحاشيته تلك الحادثة كلّما وجد سبيلاً إلى ذلك.
أمّا المعتضد العباسي فكان يدسّ السُّم فيه لخصومه.
وللعجّاج أرجوزة مشهورة في توابله، بل ومن فرط شغفهم في السكباج وضعوا فيه التصانيف التي ذكرها أصحاب الموسوعات ومنها كتاب لجحظة البرمكيّ أطلق عليه: فضائل السكباج.

Tuesday, 8 March 2016

مداوروش

مداوروش




قادتنا المصادفة المحضة إلى الحكاية التالية:
قرأت وأنا في روما يوميّة جوته التي دوّنها في يوم 18 نوفمبر عام 1786 عن حكاية النفس التي طالما احتفظ بمحفورات طباعية ملوّنة عنها في غرفته، بيد أنه شاهد الأصل على هيئة لوحة جصيّة سقفية نفّذها فنان عصر النهضة رافائيل في فيلا فرنسيني.
وكدأبي في مثل هذه الأمور قلت لأتحرّى هذا العمل، فأنا لا أفوّت شاردة ولا واردة لرافائيل.
فقصدت في يوم 15 يناير فيلا فرنسيني وشرعت بالنظر في أجنحتها إلى أن بلغنا صالة الاستقبال فبهتُّ لمشهد هذا العمل الباذخ والساحر. فرحت أفتّش عن مصدر الحكاية التي استمدّ منها رافائيل إلهامه، وأشدّ ما أدهشني أنني اكتشفت أن الفيلا كانت مملوكة في الأصل للتاجر الذّائع الصّيت اتشيجي والذي كنت قد كتبت عنه فصلاً قبل سنوات، فقلت كيف لمثل هذه الفيلا أن يغمرها النسيان وكانت موائدها لا تكاد تنقطع وأطباق الذهب والفضّة تُرمى إلى النّهر للدلالة على فرط بذخ الرجل؟
كيف سُلب اسمه وحلّ اسم آخر وهو راعي رافائيل وباني الفيلا؟
كيف يمكن أن تُنسب لمن أتى بعده وأصبح الرجل نسياً منسيا؟
وفي جانب آخر من الحكاية وفي يوم 2 فبراير كنت على موعد مع رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بو تفليقة وبحضور الأخضر الإبراهيمي، فسألني الرئيس: هل ستذهبون في الغد إلى عنّابة؟
فقلت: لأجل أبوليوس.. نعم، سنذهب
ثم أخذت أسرد على فخامته وعلى الأخ الأخضر حكاية أبوليس الذي عاش بين عامي (125م - 180 م) وقد ترعرع في مداوروش في سوق أهراس شرقي الزائر، وهو كاتب وخطيب وفيلسوف وعالم طبيعي وكاتب أخلاقي وروائي ومسرحي وملحمي وشاعر غنائي.

كتب رواية التحوُّلات أو (الحمار الذهبي) باللغة اللاتينية القديمة في 11 جزءًا، روى فيها مغامرات شاب يُدْعَى لوسيوس، شاءت الصدف أن يُمسخ حمارًا بعد أن أراد أن يتحوّل إلى طائر. فصار يتنقَّل من مكان إلى مكان، وهو يُمعْن النظر في غباء البشر وقسوتهم. وأخيرًا تنجح الإلهة المصرية إيزيس في إعادته إلى هيئته البشرية. وتحتوي الرواية عدة حكايات قصيرة خارج الخط الروائي الأصلي، أشهرها قصة كِيُوبيد وأبسيك وهي التي صوّرها روفائيل في قصر راعيه تشيكي.
فقال الإبراهيمي إنه سمع بهذه الفيلا ولكنّه لم يكن يعرف أنها تعود إلى اتشيجي.
وفي اليوم التالي حطّت بنا الطائرة في مطار عنّابة واستقبلنا الوالي، ثم قصدنا لاحقا سوق أهراس ومداوروش، وهي المدينة التي شهدت ولادة الرجل الذي جعلنا جوته نتلقّف المفتاح للعثور على حكايته، بينما نفض رافائيل غبار الزمن عن الرواية ومنحها بهاءً عالياً يليق بها، فلا يمكنك الآن أن تتطلع إلى حكاية النفس من غير أن ترفع رأسك إلى سقف فيلا اتشيجي.

Saturday, 5 March 2016

في عالم العطور


في عالم العطور



إذا كان اللسان يميّز بين الملوحة، والحموضة، والمرارة، فالأنف متفوّق بتمييز ما يقرب من عشرة آلاف نوع من الروائح، ففي الجزء العلويّ خلف قناتي الأنف تنتشر بحجم طابع بريد آلاف البصيلات الشميّة المستعدّة لاستقبال الجزيئات المنبعثة من مختلف الروائح (الأشياء)، وهي ترتبط بجينات مبرمجة لفكّ شفرة كلّ رائحة على حدة، لترسلها عبر الألياف العصبيّة في الأنف على شكل موجات كهربائية إلى مركز الشمّ في الدّماغ. فإذا كان الجين المرتبط برائحة ما معطوباً أو تالفاً في الشريط الجيني، فسوف يتعذّر عليك شمّ تلك الرائحة، إنّ هناك من لا يستطيع تمييز رائحة الكافور اللّاذعة على سبيل المثال لخلل جينيّ.
إن لمفعول هذه الروائح طيفاً واسعاً من التأثير وردّة الفعل لدى الإنسان، فمن انبعاث الذكريات مروراً باللذّة، إلى الفرح أو الغمّ أو الغثيان، كلُّ ذلك بمقدور هذه الخلايا عمله إذا ما تعرّضت للروائح.
في عالم العطور استطاع الإنسان في منتصف القرن الماضي أن يصنّع الروائح المختلفة كيميائيا، فشانيل خمسة هو أولّ عطر صناعي سُوِّقَ على نطاق واسع
وقد قسّم الخبراء الطّيب إلى ثلاث طبقات، أوّلهنّ النّوطة العالية وهي الجزيئات الخفيفة المنبعثة من العطر لتضرب بصيلات الشمّ، تعقبها النّوطة الوسطى وهي طبقة كامنة في التركيب العطري تحتاج إلى وقت أطول لفكّها، ثمّ النّوطة القرار تلك التي تحتاج إلى أكثر من نصف ساعة أحيانا للوصول إليها.
والعطور الكلاسيكيّة إمّا أحاديّ الزّهر وهي تلك العطور التي تطغى فيها رائحة واحدة كالورد، وإمّا ذات الطّاقة من الزهور، وهناك العطور الشرقيّة التي يطغى فيها العنبر، والعطور الخشبيّة التي قد تحوي الصندل والعود وخشب الأرز والباتشولي، وهناك العطور الجلديّة التي تنبعث منها رائحة العسل، أو الخشب، أو التبغ، وكذلك العطور القبرصيّة، ذات النّوطة التي أعلاها حامض ووسطها زهري، وقرارها طحلب كالبرغموت، والباتشولي، وطحلب البلوط، وآخرها العطور السرخسيّة التي تنبعث منها الخزامى، وطحلب البلوط، والكومارين، وهناك تصنيفات مغايرة حديثة وأكثر حداثة ولكنني آثرت التصنيف الكلاسيكي الذي يعود إلى مطلع القرن العشرين.
يطلق على خبير العطور لقب –أنف- ، ومهمّة الأنف في هذه الصناعة هو تعطيل الحواسّ الأربع لشحذ الحاسّة الخامسة (حاسّة الشمّ) على تقرّي وفكّ شفرة الطيب، هذا شأن الخبير، أمّا روجا دوف فبالإضافة إلى كونه أنفا كبيرا، إلّا أنّه مايسترو عطور كذلك، يحسن اختيار وقيادة أوركستراه العطريّة، وعلى الرّغم من الأربعة عشر رقما ونيّف التي تحمل اسمه، إلّا أن العطر رقم واحد هو أحبّها إلى قلبي.
إنّ العسل الدافئ المرسل من تحت تنّورة نديّة، اللاذع كالفلفل، هو عطر ورد مايو (روز دي ماي) المقطوف من غراس (مدينة في الجنوب الفرنسيّ)، وهو أوّل نغمٍ عالٍ يصلك من أوركسترا روجا دوف العطر واحد. وإن كان الظفر بكيلو واحد من زيته يحتّم تقطير ما يزن أربعمائة كيلو من الورد نفسه، فشمّك قطرة من ذاك العطر تشعرك أنّك الساحر جرينويل بطل قصّة عطر. وحده روجا دوف يعلم كم أضاف من البيرجاموت ومن البرتقال لهذا المزيج. وإن استغرقت قليلا في الشمّ لفكّ شفرة العطر فثمّ الياسمين الغراسي الذّائع الصّيت، والصّندل الميسوري المجلوب من أدغال الهند. وحتّى لا تضيع موسيقى هذا النشيد، يلقي روجا دوف مراسيه ومثبّتاته الشهيرة كزيت المرّة اليمنيّ وزيت الإيلانج الفلّبيني، ويختم مزيجه بقطرة من مثبّت آخر هو زيت طحلب البلّوط.

Thursday, 3 March 2016

فتنفّست

فتنفّست



يبدو أن هناك يداً خفيّة مهّدت لهذا اللقاء، لا أستبعد قيادة تلك الوسيطة الماهرة التي خبّرنا عنها عمر:
فبعثنـــــــــــــــــا طَبّةً عالمةً تخلط الجِدّ مرارا باللعبْ
ترفع الصوت إذا لانت لهــــــا وتراخى عند سوراتِ الغضبْ
تلك الخبيرة المحنّكة التي قال له ابن عتيق، حفيد أبي بكر الصدّيق: "الناس في طلب إمام مثلها مذ قُتل عليّ". لكنّ العالمة الساحرة هنا ليست البطل الرئيس في المشهد، حسبنا أن نتصوّر أنّها اليد الخفيّة التّي مهّدت للقاء.
نجمةُ المشهد صبيّةٌ من مكّة على موعد مع عمر بن أبي ربيعة، الشاعر الذي سمعتْ عنه ولم تره من قبل قط. ولكنّها في هدأة تلك الليلة المرتقبة باتت على موعد للقائه.
نستشفّ من الأبيات التالية أنّه تسلّل إلى خبائها خفية، فهو بصير بحال المكان وإن كان في موهن من الليل، ونتخيّل أنّه كان خلفها لمّا داهمها ووضع كفّيه بكل ثقة على طرفي خصرها قبل أن تشعر به:
فوضعت كفّي عند مقطع خصرها، فتنفّست.
تنّفست تنفس الخائف الفرق، ولكنّها إذ كانت على علم بالموعد لم تنبس بكلمة، اكتفت بذلك النفس الذى صدر في لحظة وجل إذ أحسّت بكفٍّ خلفها تتسلّل برفق إلى خاصرتها، ولم تتكلّم:
فتنفّست نفسا فلم تتلهَّجِ
ثمّ التفتت وجلة، فلزمها بذراعه، وضمّها إليه، وباغتها بقبلة خاطفة، لثمها، وكأنها لثمة تحية وتعارف، ولعلّه هكذا أراد اختصار الطريق إليها، فالشاعر كما قال في لقاء آخر وكما عهدناه دائما:" يقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا". ثمّ أليست هي التي استجابت إلى رسول الشاعر؟.... من؟ سألته فزعة، فلم يتردّد في الكلام، بل همس حالا: عمر! هكذا عرّفها بنفسه ليطمئن قلبها إليه:
فلزمتها فلثمتها فتفزّعت منّي وقالت: من؟ فلم أتلجلجِ
ثم إنّها عرفته ودفعته عن نفسها، إما غنجا أو لتستوثق منه، وخاصّة أنه أوّل لقاء، ولم تلبث أن أقسمت أن تنبّه الحيّ إن لم يخرج، فاستجاب لها على الرغم من أنّ القبلة الخاطفة لم تطفئ ظمأه. فما إن همَّ بالخروج حتّى لمحها تبتسم، فأدرك أنها ابتسامة الرّضا والقبول، إنها اللحظة الفاصلة بين حال وحال، أو قل إنها ابتسامة أذهبت رهبة الموقف ومخايل الإثم، إثم اليمين، عرف بها أن يمينها لم تكن عن ضيق أو قصد فعاد:
فخرجتُ خوفَ يمينِها فتبسَّمتْ فعلمتُ أنّ يمينَها لم تُحرِجِ
ثمّ مدّت يمينها الى فروة رأسه، اختار مقطع الخصر فاختارت مسّ شعر رأسه لتغوص فيه أناملها الغضّة التي زيّنها الخضاب، الخضاب الذي أعدّته لذلك اللقاء:
فتناولت رأسي لتعلمَ مسَّه بمُخضَّبِ الأطرافِ غيرِ مشنّج
فهل كانت الموعودة في ريب من شخصية الشاعر العاشق؟ أم أن الأمل بقدومه كان أقرب إلى الحلم البعيد؟ وهل كانت تلك الحركة العفوية منها وهي تتلمّس رأسه وتشكّ أناملها في شعره لتتأكد أنه هنا في خبائها وفي متناول يدها؟
ولنا هنا أن نوازن بين حركة يده التي انقضَّت على مقطع الخصر، تحتضن طرف الكشح، أرق موضع للضم والامتلاك.. وبين لمستها الأنثوية الناعمة، لمسة المرأة الحنون للطفل الشقي، إذا أردنا أن نتجاوز لهفة العاشقة، ولو لحظة خاطفة.
عاد إليها ثانية ليخطف ثمرة الموعد، خمرتها المخبأة، لاثماً الصبيّة التى دلّهها العشق، آخذا بقرونها أو بذوائبتها في قبلة محمومة يرتشف فيها رحيق الثغر كما يشربُ النّزيف المصابُ بالحمّى الماءَ الباردَ الصافي المكنون في نقرة عالية في جبل ما زالت ذروته تحتفظ ببرودتها الثلجية.
فلثمتُ فاها آخذاً بقرونِها شربَ النزيفِ ببردِ ماءِ الحشرجِ
من كانت تلك الصبيّة؟ ما صورتها؟ كم لها من العمر؟ إن ابن أبي ربيعة وحده يعلم ذلك، ولكن ما نعلمه أن تلك اللحظات الخاطفة المنهوبة من مكارم تلك الليلة التي رشف فيها رضابها البارد كانت أشهى ما نال من نعيم الفردوس.

قصيدتان

قصيدتان
أحتفظ للجزائر ورئيسها وشعبها الغالي بمودة وجدانية خاصة، وكنت قد كتبت قصيدة وأهديتها إلى أخي وصديقي فخامة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، أعبر فيها عن المكانة السامية التي يشغلها الرئيس الجزائري في قلبي وفكري، إضافة إلى المكانة التي يتمتع بها فخامته في قلوب أبناء شعبه وهو يقود مسيرة الجزائر الحبيبة نحو العزة والرخاء والاستقرار. وقد أثارت القصيدة إعجاب الشاعر الجزائري الصديق إبراهيم صديقي فعارضها بقصيدة من البحر والرويّ ذاتيهما، كما يرى القارئ في ما يلي:
منارُ العرب
محمد أحمد خليفة السويدي
والبطــــــــــولاتِ والأصـــــــــــــولِ العـــــــــــــــــــريقَه
رجلُ العصــــــــــرِ والخيـــــــــالِ الحقيـــــــــقَه
الوفـــــــــــــــــــــــــــــــيُّ الأبـــــــــــــــــيُّ بوتفلــــــــــــــــــــــــيـــقَة
الرئيـسُ الجليـــــلُ فَخــــــــــــــــــــــــــــري وحُبِّي
في ظلامِ الحيـــــــــاةِ شــــــــــــــــــــــقَّ طـــــــــــــريقَه
العِصـــــــاميُّ من صعــــــــابٍ لأُخـــــــــرَى
وشــــــــــــــــــــــــــــذاه ومســــــــــــــــكَه ورحيــــــــــــــــــــــــقَه
أكتبُ الشكرَ يكتبُ الحــــــــــــــــــــــبُّ عنه
في عـــــــــــــــــــــــــــــروقي جزائـــرياً ســـــــــــــــــليـــقَه
ونشـــــــــــــــــــــيدُ الجزائرِ الفخمُ يَجــــــــــــــــري
تــتوالى الأيمــــــــــــــــــــــــانُ فيه بروقــــــــــــــــــــــــــــــَه
وســـــــــــــــــــــــــــحابٌ كأنّه مـــــــــــــــــــــن أديمي
فاشـــــــــهـدوا النصرَ كيفَ مدَّ شـــــــــــــــروقَه
عقدوا العـــــــــــــزمَ للجــــــــــــــــزائرِ تحـــــــــــــــــيا
وبيـــــــــــــــــــــــاضِ الجــــــــــــــــــزائرِ الصـــــــــــــــدِّيقَه
أكتبُ الشــــــــــكرَ من ســـــــــــــوادِ عــيوني
والســــــــــــــطورُ المُذَهَّـــــــــــباتُ الرشــــــــــــــــــــيقَه
غَمَرَتنا رســــــــــــــــــــــائلُ الــــــوردِ عـــــــــــطراً
نــــــــــــــــــــــتباهَى بها أمــــــــــــــــامَ الخلـــــــــــــــــــــــيقَه
وســــــــــــــــــــــــــتبقَى فَخــــــــــــــارَنا في الليالي
قَصَّـــــــــــــــــــــها لي أبي وكانَ صـــــــــــــــــــــديقَه
ذاكَ عبدُ العزيــــــــــــــزِ قصـــــــــــــــــةُ مــــجدٍ
جاءَها وَهْيَ في الجــــــــــــــــــــراحِ غريــــــــــــــقَه
منذُ أنْ ثـارتِ الجــــــــــــــــــــــــــــــــزائرُ حـــــتَّى
خندقـــــــــــــــــــــــــــــــت حـوله الذئاب الطلــــــــيقه
فأماط الخـــــــــــــــــــــــراب عنـــــــــــــــــها وليــلاً
ومَسَحْنا دمــــــــــــــــــــــــــــــــــوعَنا المخــــــــــــــــــــنوقَه
ورســــــــــــــــــــا الأمنُ والســــــــــــــــــــلامُ عليها
تَتَهـــــــــــــادَى على الســـــــــــــــــــــــفوحِ الوريقَـــــــه
اُنْظُـــــــــروها بينَ البــــــــــلادِ عروســـــــــــــــــاً
بينَ غوغـــــــــــــــــــــــاءَ داهَمَتْها وسُــــــــــــــــــــــوقَه
كيفَ كانتْ جزائرُ الأمــــــــــــسِ نَهــــــــــباً
في يَدَيْه والبســـــــــــــــــــــــمةُ المســـــــــــــــــــــــــروقَه
فأتاها عبدُ العـــــــــــــــــــــــــــــــــزيزِ شِــــــــــــــفاهاً
بعدَ دهـــــــــــــــــرٍ من الســـــنينَ المشـــــــــــــــوقَه
وأتى المنصــــــــــــــــــوريَّةَ الشـــــــــوقُ نجماً
يَحتَســــــــــــــــيها الباكي فتروي عــــــــــــــــــروقَه
ودمـــــــــــــوعُ السرورِ أجمـــــــــــــــــــــلُ ذِكرَى
في ضـــــريحٍ يَرعى العـــــــلاءُ حقـــــــــــــــــوقَه
ارقــــــــــــــــــــــــــــــدي المنصوريةُ بســــــــــــــــــلامٍ
ولقومٍ عــــــــــــــــــــــــــــاراً وذِكــــــــــــــــرَى صفــــــــيقَه
هكذا يُكتَبُ الخــــــــــــــــــــــــــــــــــــلودُ لــــــــــــــــقومٍ
شُغْــــــــــــــلُه سَحْـــــــــــــــــــــــقُه بكلِّ طـــــــــــــــــــــــريقَه
كيفَ يرضى الشعبُ المهــــــانُ رئيساً
مُســـــــــــــــــــتَبيحٌ جـــــــــــــــــــــــــــــــــديدَه وعتيـــــــــــــــــقَه
مُستَحِلٌّ دمــــــــــــــــــــــــــــــــــاءَه ودمــــــــــــــــــــــــــــــاهُ
نَتَشَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــهَّى رفيــــــــــــــــــــــــفَه وبريــــــــــــــــقَه
إيهِ عبدَ العزيزِ دمــــــــــــــــــــــــــــتَ منـــــــــــاراً
وعيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــونٌ جـــــــــــــــبّارةٌ ورقــــــــــــــــــــــيقَه
قامةٌ تَمـــــــــــــــــلأُ العيـــــــــــــــونَ جـــــــــــــــــلالاً
وعلينا قــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــريبةٌ وعمـــــــــــــــــــــــــــــــيقَه
هِيَ فينا بقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدرِ حُبِّكَ فينا
الكَــــلامُ وَثيْـــقَــــــــــهْ
مُــهـــداة إلى ســَـــــــــعادة محمَّـــــد أحمـــــــد الســــويدي
راحـــــلٌ في العُــــــلا يُريــــــــدُ بَريقَـــــــــهْ              هائِـــــــــمٌ ســــــــائِــــرٌ وراءَ الحقيقَــــــــــــهْ
هــــو بَحْـــــــــــرٌ هـذا الهيَــــــــــامُ عميـــقٌ              كيفَ تخْتَــــــــــارُ أنْ تكونَ غَريقَـــــــهْ؟
هـــــو جمــــــــــــــــرٌ مُخَــــبَّـــــــأٌ في المعــــانـي           كيــفَ يهـــــوَى لَهِيبَـــــهْ وحَريقَــــــــــــــهْ؟
سَـــــــارَ في الشَّـرقِ كلِّهِ ذاتَ عُمْــرٍ             واجْتَنَى مِنْـــــهُ عِطْــــــرَهُ ورَحِيقَــــــــــــــهْ
وتَحَـــــــــــــرَّى أيَّــامَـــــــــــــــــه ولَيـــــاليـــــــــــه                وأحْــــوَالَـــــــــــهُ وكُـــــــــلَّ دقيـــقَـــــــــــــــــــــهْ
تَـــــرَكَ الشَّــــــرْقَ واسْــــــــتَدارَ شمـــَـالاً             حينمـا اجْتَــــــــازَ بَحْـــــــرَهُ ومَضيقَـــــــــهْ
أيُّــــها الغَـــرْبُ جــاءَك اليـــــومَ طَيْــــرٌ              عَـــــــــرَبيٌّ يُـريــــــــدُ مِنْـــــــــــكَ الحَقِيقَـــــــهْ
جَاءَ فَافْتَحْ خَزَائنَ العِلْمِ واسْكُبْ             في يَدَيْــــــــــــهِ نَهْــــــرَ العُصُورِ العَريقَــهْ
نَظْـــــــرَةٌ منـــــه فــي طلـولِكَ تَكْـفــــي               كــي تـــرى نَــائِمَاتِــــهَا مُسْـــــــتـَفيقَـــــهْ
وتــــــرى التــاريـــــــخَ المُغَيَّـــــــبَ حَيًّـــــا               والأسِـــــــــيرَاتِ مِـنْ دُنــــاكَ طليقَــــــــهْ
جاءكَ اليــومَ نَجْلُ أحمد في مَوكبِ           عِـلْـــــــــــمٍ إليْـــــــــــكَ شـــــــــــقَّ طَـــريـقَــــهْ
جَــــدُّهُ أخْـضَـــعَ الرِّمـــالَ وأَسْـــــرَى               في دُروبِ اللَّظى وَلَمْ يشكُ ضِيقَهْ
وأبــــــوهُ مؤسِّــــــــسُ الــــصَّرْحِ لَمَّـــــا                زايـــــــدٌ شـــــــــــــاءَ أنْ يكونَ رفيـقَــــــــهْ
نَظْـــرَةٌ مِنْــــهُ فـي الإِشــــارَةِ عَهْــــدٌ                 وإذا قــــــــــالَ .. فالـــــكلامُ وثيقَـــــــهْ
وابنُـــه هذا المســتنيرُ السُّــويْدي                هــــــــــو والفكر عــاشِـــقٌ وعشــــيقَهْ
أَكْـــــــــرَمَ الله بــلــــــدةً أنجــــبتــهــــــم                 وسَـــــقى هذه البـــــــــــلادَ الشقيقَــهْ
إبراهيم صديقي