Monday, 21 March 2016

اسبح ياضبّ وكل العرب

 


في جولة مع (الوالد) في جنائن "الريجنت" الملكيّة، كان طالع الطرف النجم البرتقالي العملاق حانياً على عاصمة المملكة المتحدة، فدرجة حرارتها لا تتجاوز العشرين، بَيْنَا يشتدّ لهيب الشمس، ويستعر، وتزداد الرطوبة في البلاد، أمّا سهيلُ الذي يظهر في هذه الآونة في بلادنا فلا يلطّف إلاّ الصحراء، وليس له علاقة بالساحل.
كان الوالد يردّد قصيدة الشاعر كليب بن عبد الله الهاملي - وهو ابن عمّ الشاعر سعيد بن عتيق-:
يا باري الأنفاس لطفاً بمنصاب ذنبٍ تخرّس دمعته فكّة الجيب
... ولمّا بلغ:
لا هم بني عمّي ولا هم لي أنساب كنّي مطيريّ وهم ماليعاجيب
قال هذا بيت من الأبيات (السائرة)، ومعناه: أنّ الشاعر لا يرتبط والممدوح بنسبٍ، ولكنّ ما دفعه للمدح؛ السمعة والكرم، وهو في بعد النّسب عن الممدوح كالمطيري واليعقوبي.
ومطير: هي قبيلة قيسيّة، مضريّة، عدنانيّة، تسكن في شمال شرق الجزيرة العربيّة، وأمّا اليعاقيب: فهم حكّام عبري في عمان، وهم من قحطان.
ومنها: تلقى لهم من كل ندّ ومرقاب علمٍ كما نبت الحيا في المياذيب
الناس شروى سبع هجنٍ ويدّاب وهم كما سبع السنين المخاصيب
يا من على سمت العزيزين وضّاب مدحتكم قصدٍ وكفوٍ وترغيب
والقصيدة في مدح الجدّ (أحمد بن خلف العتيبه)، قال الوالد: لحقنا على عيال كليب ولقد قضوا جميعهم - رحمهم الله-.
كنّا عند العمّ (سعيد) عندما قال: كان البحّارة الحسدة، عندما يرون الشاعر كليب مقبلاً يسبح، وفي عمامته القصيدة يقولون: اسبح يا ضبّ وكل العرب، وقال الوالد موضّحاً: تنتشر سفن صيد اللؤلؤ فوق (الهيرات) وهي الأرض الصخريّة التي يعلق بها المحار في جماعات بين الثلاثين والأربعين سفينة، وكان الجد (أحمد بن خلف) يقف على مسافة - ليست بعيدة- عن هذه السفن، وإذ كان التنقل بين هذه السفن متعذّرا إلاّ عن طريق السبّاحة، هكذا أقبل الشاعر كليب الهاملي يسبح إلى سفينة الممدوح وهو يضع القرطاسة التي كتبت عليها القصيدة في عمامته، حتّى لا يبلّها الماء، فما كان من البحّارة الحسدة إلاّ أن هبّوا في الزائر القادم هبّة رجل واحد قائلين: اسبح يا ضبّ وكل العرب. 
وأضاف الوالد أن المسافرين، أو التجّار، عندما يسافرون من بلدٍ إلى بلدٍ كانوا يحملون معهم الرسائل وما أن يصلوا حتّى يبلّغوها إلى أهلها، وكانوا يضعونها بين الغترة والعقال عندما يقبلون على أصحاب الرسائل، فيكرمون وفادتهم.