Tuesday, 31 May 2016

ماربيلا


 


ندعوكم للتعرف معنا على مدينة "ماربيلا" marbela من مشروعنا ‫#‏مدن_أندلسية‬ ، في تجربة بصرية سمعية عن المدن التي زارها (لسان الدين بن الخطيب) في رحلته المسماة (خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف).
والتطبيق متوفر على ITunes
http://andalus.electronicvillage.org
 

إِلامَ طَماعِيَةُ العاذِلِ


 


ندعوكم للإستمتاع بمقطوعة "يُرادُ مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم" من قصيدة: "إِلامَ طَماعِيَةُ العاذِلِ"، للمتنبي، بصوت: عبد المجيد المجذوب.
وهي من مشروعنا ‫#‏واحة_المتنبي‬ ،
والتطبيق موجود على (iTunes) http://almotanabbi.electronicvillage.org
ومتوفر أيضاً على شبكة الإنترنت http://www.almotanabbi.com
 

Monday, 30 May 2016

لم تكن تحتاج أكثر من إتصال !

 
ها أنا في مقهى "الريجنت" قرب حديقة الورود، حيث كنت أرمق الشاعر (نزار قبّاني) يقضي بعض وقته بها قبل أن يتوفاه الله، في مقهى تلفه أشجار البلوط بجذور سيقانها الفيليّة.. إنّها المقهى التي يفضّلها نزار قبّاني عندما يريد أن يصغي إلى صمته..
فتذكرت ذاك اللقاء الذي جمعه بـ (الوالد) عندما حلّ الشاعر ضيفاً على المجمع الثقافي في أبوظبي، وقف (نزار) مادّا يده بالأحضان عندما دخل عليه الوالد وهو يقول: اشتقت إليك، فعلمني أن لا أشتاق، علّمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق.
وكان الوالد يجيبه وهو يتقدم نحوه:ما زلت أحرث كالحصان على السرير الواسع، حتى يلتقيا فيتعانقان.
.
ولطالما سرد (نزار) حكاية الزيارة التي قام بها الوالد إلى مقرّ الشاعر في فندق "الإنتركونتيننتال" في أبوظبي، عندما كان مدعواً لفعاليات الموسم الثقافي في وزارة الخارجيّة في السبعينات، وعندما لم يجده، ترك الوالد رسالة دعاه فيها إلى زيارته في مقر عمله بوزارة الخارجية.
وفي صباح اليوم التالي، زار (نزار) الوالد في مكتبه، وقال له: لماذا تجشّمت عناء المجيء، لم تكن تحتاج إلى أكثر من اتصال وسآتيك بنفسي..
فقال الوالد: يانزار، بالرغم من أنك رجل عملت في المجال الدبلوماسي هل بوسعك أن تخبرني شيئاً عن وزير الداخلية في عهد "اليزابيث" الأولى أو وزير خارجيتها؟ فتفكر نزار قليلا وقال: لا، لا يمكنني ذلك.
فقال له والدي ولكنك تعرف شاعرها "شكسبير"،أليس كذلك؟
فاجاب بنعم..
هكذا هو الأمر يا نزار، فما يبقى يؤسسه "المبدعون"، لأن عملهم تدوين لسيرة الروح والعقل، أما "الساسة" فزبد يذهب في الأرض.
وبعد سنوات على موقف والدي.. اتصل بي (نزار) وهو يشكو إليّ حظره دخول دولة الإمارات، وسألني أن أعرف السبب وأتدخّل لإبطاله، فذهبت من فوري إلى أخي الشيخ/ حمدان بن زايد، وكان وزير الخارجية في ذلك الحين، وسردت عليه موقف الشاعر، وما كان من أمره مع أوّل وزير للخارجيّة والدي أحمد خليفة السويدي.
فقال الشيخ حمدان: لا علم لي بالأمر، وسأعمل شخصياً على الإتصال به وإعادة الأمور إلى نصابها. وبالفعل اتصل الشيخ حمدان مشكوراً بـ "نزار قباني"، ودعاه إلى القدوم، ورحّب به باسم دولة الإمارات، وباسمه شخصياً ... وها أنا ذا في مقهى "الريجنت" قرب حديقة الورود، أرمق مواضع ذكريات نزار، ذلك الشاعر الذي استعصى على المنع أو النسيان.
  http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_articles.php

Saturday, 28 May 2016

من مَكتبتنا الخاصّة


من مَكتبتنا الخاصّة : تسجيلٌ نادر سنة 1980م، لــ نزار قباني، وأمسية في مديح أبوظبي..





من مَكتبتنا الخاصّة : تسجيلٌ نادر سنة 1980م، لــ نزار قباني، وأمسية في مديح أبوظبي..

قصة سان ميشيل لـ أكسِل مونتي Story of San Michele


 


قصة سان ميشيل لـ أكسِل مونتي Story of San Michele
ندعوكم للتعرف على كتاب (قصة سان ميشيل) لـ أكسِل مونتي والاستماع لملخص الكتاب.. وهو من مشروعنا (‫#‏101_كتاب‬)، وهي الكتب التي انتخبتها صحيفتا "الغارديان" البريطانية، و"ألو موند" الفرنسية، من قائمة الكتب الأكثر تأثيراً في الحضارة الإنسانية... http://101books.electronicvillage.org
 
قصة سان ميشيل - أكسِل مونتي
رواية تجمع بين السيرة الذاتية وخيال الكاتب الذي يسرد أحداث الحياة اليومية بأسلوب مؤثر جميل. وبطل القصة وراوي أحداثها هو الطبيب السويدي ذاته "أكسِل مونتي"، وتاريخ الطبعة الأولى يعود إلى 1929، ومواقع أحداثها تدور بين باريس وروما ونابلي وستوكهولم وجزيرة كابري حيث بنى بيتا له في أناكابري وعاش فيه آخر حياته يعالج الفقراء، ويرعى محمية للطيور. كان في الثامنة عشرة من عمره يوم زار كابري حيث عاش الإمبراطور الروماني تيبريوس سنواته الأخيرة. وسحرت الجزيرة مونتي بجمالها، فراح يحلم بشراء بيت هناك بالقرب من كنيسة سان ميشيل الخربة، ويستغرق بالحلم حتى يختلط الواقع بالأسطورة، فيقول: "وانتصب أمامي شخص طويل يلتف بعباءة فاخرة... وقال: "ستكون هذه كلها لك، إن كنت راغباً بدفع الثمن!" ويسأله الفتى مونتي: "من أنت، شبح من الغيب؟" فيجيبه: "أنا روح المكان الخالدة". وكان الثمن أن يتخلى الشاب عن طموحه، فيوافق بشرط أن يترك له (الرحمة) لأنه سيدرس الطب. بهذه اللقطة الأسطورية تبدأ الرواية.
درس أكسِل الطب في باريس واختص بالأمراض العصبية ومارس مهنته بنجاح حتى نال شهرة واسعة جعلت المرضى، والمريضات بشكل خاص، يتوافدون إلى عيادته المزدحمة حتى من إنجلترا وأميركا، وقد عاصر بعد تخرجه الطبيب الفرنسي المشهور شاركو الذي استخدم التنويم المغناطيسي في علاج الأمراض العصبية، كما استخدم مونتي هذه الطريقة، وإن لم يكن مقتنعا بجدواها إلا في حدود. وقد اختلف مع شاركو فأدى ذلك الاختلاف إلى طرده من السَّلْبيتريير (Salpêtrière) وهو المركز الطبي الذي كان يعالج شاركو فيه المرضى.
والسبب في طرده أن مونتي حاول إنقاذ إحدى الفتيات الريفيات المخدوعات وإعادتها إلى والديها بعد أن اكتشف أنهم أحضروها للعمل في مطبخ المستشفى، لكنهم استخدموها في العروض الفنية والابتزاز الجنسي حتى أصيبت بالجنون، وكان شاركو يعالجها بالتنويم المغناطيسي. وهذه واحدة من عشرات المآسي التي يرويها مونتي عن الأحياء البائسة في باريس، مع أن شهرته جعلت نساء الطبقة العليا في المجتمع يتزاحمن في عيادته طلبا للعلاج، وكانت الزائدة الدودية وبعد ذلك القولنج من الأمراض التي تشغل أولئك النسوة لدرجة الهوس، إضافة إلى الأمراض العصبية والحَمْل الكاذب.
ومن أبرز السمات الإنسانية النبيلة التي يرويها مونتي أنه كان ميالا للعلاج المجاني حتى أثار نقمة زملائه، كما أنه كان عطوفا على الطيور وسائر الحيوانات، وحتى الوحوش الضارية كانت تأنس لمعاملته اللطيفة، وأكثر من ذلك أنه جعل في أناكابري محمية للطيور المهاجرة التي كان جشع الصيد والتجارة يقضي على أسراب منها لتزويد المطاعم بلحومها، فاضطر لشراء تلك الأرض.
ومن المآسي التي يرويها عن بنات الليل اللواتي يحرمن من أولادهن، وكيف كانت إحداهن تنتظره في الشارع ساعات لكي يخبرها عن حالة ابنتها المريضة، ولا يسمحون لها برؤيتها.. واضطر أن يعيرها لباس ممرضة خفية لكي ترى ابنتها المحتضرة. لم يكن مونتي متدينا، وقد واجه صعوبة مع الراهبات اللواتي يعملن في المشافي، وكذلك مع رهبان الاعتراف، ثم جعلهم جميعا يتفهمون نزعته الإنسانية وامتناعه عن الصلاة وسائر الطقوس الدينية.
ومن طرائف ما يرويه زيارته شبه الأسطورية لبلاد اللاب في أقصى الشمال الاسكنديناڤي حيث يعيشون على رعي الأيائل. وفي طريق العودة تكون بنت مضيفه، دليلته فيواجهان في الغابة دبا خطرا، لكن الفتاة تحميه لأن الدب لا يهاجم الأنثى- كما تخبره. وأطرف ما مر به في مهنته أن شابا سويديا مات وكان عليه أن يصطحب جثمانه إلى السويد، ولم يكن مع أمه كلفة التحنيط فقام بتحنيطه. ورافقه في الرحلة رجل، متعهد دفن الموتى، كان مكلفا بمرافقة جثمان جنرال روسي إلى بطرس بورغ. لم يخبر مونتي ذلك الرجل أنه طبيب، وخلال الرحلة يحلق له لحيته ويخبره بفخر أنه الرجل الوحيد الحي الذي يحلق له، ويشكو له من الحلاقة للأموات لأنهم لا يجلسون!
وفي السويد، حين تصر الأم أن يفتح التابوت لترى ابنها وتودعه، يتفقد مونتي التابوت ليلا فيكتشف أنها جثة الجنرال الروسي وأن تابوت ابنها أخذه متعهد الدفن إلى روسيا، لذلك يبذل المستحيل حتى يمنع الأم من رؤية ولدها. وفي رحلة أخرى يرافق القنصل السويدي الذي يمر بنوبات هستيريا ويكاد يخنقه أثناء النوم. ومن الأحداث اللافتة صداقته مع الكاتب الفرنسي غي دي موباسان المصاب بالسل وكان من ضحاياه أكثر من معشوقة ماتت بالداء ذاته.
قصة سان ميشيل ملحمة إنسانية يصعب اختصارها في مقالة موجزة، وخاصة حين يتحدث عن عمله في مكافحة وباء الكوليرا في ميلانو حيث كان الوباء يقضي على ألف ضحية كل يوم، كما أن زلزال مسينا قضى على مئة ألف، إضافة إلى أن ضحايا إحدى الحروب بلغت أربعمئة ألف إنسان.
 

Friday, 27 May 2016

سياحة بصرية في تعقب أبوالطيب المتنبي


 




سياحة بصرية في تعقب أبوالطيب المتنبي
بمبادرة من الشاعر الإماراتي/ ‫#‏محمد_أحمد_السويدي‬ ، قام الباحث / صلاح حيثاني بتعقب الأمكنة التي ذكرها أبو الطيب ‫#‏المتنبي‬ في أشعاره، أو تردد عليها، أو ارتبطت بسيرته في العراق، من خلال قيامه بعمل سياحة بصرية في ما بقي من ذكراه، وأمكنته ، للتعرف على مفردات الحياة التي شاعت في عصره وبقيت حتى يومنا هذا....
وذلك من مشروعنا ‫#‏واحة_المتنبي‬، والتطبيق متوفر على جوجل بلاي: https://goo.gl/moyuYH
وعلى ITUNES من خلال http://almotanabbi.electronicvillage.org
وكذلك من خلال الإنترنت www.almotanabbi.com
 

روح الطائر ...




 
ندعوكم لمشاهدة روح الطائر ورقصة الموت الأخيرة في لحظات الغروب... من روما..
 

Thursday, 26 May 2016

سحر الصحراء





سحر الصحراء
جزء من رحلة في صحراء ليبيا تأليف احمد محمد حسنين باشا
This video is a part of a journey through Libyan desert by Ahmed Mohammed Hassanian Basha in 1923.
Published by Al Suwaidi Publishing House
 

The Roosters of Siena

 


Wherever you turn your face in Cianti you will see it; villages entrances, shops signboards, ashtrays, books covers and even on shirts cuffs.
I asked some of the people I met about it, but most of them knew nothing more than it being black and turning into a symbol granting the county much of its identity. It is the Chianti Rooster. Once I gaze at it embalmed on the façade of one of the shops in Greve then turn my face away, it will disturb my slumber with its shrilled crow ranting endlessly through the night. It will make me grow impatient until I order it to be summoned, only then it will calm down so do me.
Nevertheless, what is the story behind this black rooster whose leanness and slenderness became the pride of Chianti for many generations?
It is told that the matter started with a feud between two great cities; Florence and Siena. Drums of war rolled, souls perished, and blood was spilled. Exhausted by war, reason found its way and all decided peace should prevail.
This led them to concur on a solution, which gave the story its folkloric dimension. The suggestion was for each town to select a rooster and a knight and once the selected rooster in each town crowed, the knight would dash on his horse until he meets the knight from the other town; there will be the benchmark to delineate the borders subject of conflict between the two cities. Florence prepared a black rooster and deprived it from sleep and food until it slenderness and slimness got the best of its body. Siena opted for a white leisured rooster, nurtured like an affluent house kept woman.
On the set day, the Florentine rooster was up much earlier than it should crowing from sheer hunger, so the Florentine knight galloped on his horse devouring the land ahead. As for the rooster of Siena, it did not start crowing except after the crack of light, when on can tell a white thread from a black one. The knight from Siena did not cover a short stretch when he met the man from Florence. It happened later that Florence annexed the county of Siena and since then boasted about its slick svelte rooster.
When we first came to Siena, I felt that its folks were observing at us with some sort of anxiety. We were secretly recalling the story until we almost saw an affluent white roaster resting on the head of each chap in Siena
In a dim corner of the capital of art Florence, scholars of Florentine cuisine would go to have lunch at the popular Sustanza. When we arrived there, the waiter recommended a plate of poultry prepared with homemade gee. It is an ancient dish, as old as the tale of the two cities. We were delighted that that dish became one of the most delicious meals offered to us in Italy but it was to our amazement to learn from the waiter how the roosters of Siena ended to be a delicacy offered on the Florentine table

Wednesday, 25 May 2016

نحلٌ أم دبابير



2016-05-25
اعرض في فيس بوك
التصنيف :

 
 
في عام 1968م قصد طبيبًٌ لبناني متخصّص في معالجة خلايا النحل سموّ الشيخ "زايد بن سلطان" -رحمه الله- في مدينة العين؛ وفور وصوله، ذهب مع جماعة إلى مزرعة الشيخ خالد بن سلطان في العقابية، وكان من بين من اصطحبه حمد بن خالد بن جمهور.
كان الطبيب اللبناني يحمل معه حقيبة ملأى بأنواع من المبيدات الحشرية التي صممها بنفسه وأعدها لتناسب الطقس وتكون كفيلة بعلاج (خلايا النحل).
جال ببصره في أرجاء المكان، حتى وقع على مستعمرة تعجّ بخلايا وبيوتات النحل، هكذا خالها لأول وهلة.
أعدّ الجهاز وعبأه بالمادة المعالجة، وقدّم ساقه في وضع عسكريّ متوجهاً بخرطومه صوب المستعمرة، كما لو كان جندياً يتهيأ لحرب لا نهاية لها.
ثم أطلق رشاشاً كثيفاً من مبيده نحو ما ظنها خلية نحل، فما هي إلا برهة، حتى أخذه أزيز الدبابير (الدباية وهي جمع دِبي) وطنينها وهي تلوذ به فراراً من رشاشه.
دبابير حمراء وصفراء تسرّ الناظرين خرجت من مستعمراتها، وقد أعدّت إبرها، ولاذت بالطبيب من رشاشه الحارق، وأنشبت فيه مئات الإبر.
لقد التبس الأمر على الطبيب، ولم يفرّق بين الدبابير والنحل.
هُرع صوبه الأخ/ حمد بن ناصر، وألقى (برنوصاً) على الطبيب الذي أصبح شبيهاً بالغربال، ثم حمله مع رشاشه ومبيداته في صندوق سيارته اللاندروفر الخلفي، وقصد به المستشفى.
وبعد مضيّ شهرين على تلك الحادثة، عاود الشيخ زايد السؤال عن الطبيب ومبيداته وما صار من شأنه.
فقالوا له أنّ الرجل مازال ملقى في المستشفى، وجسده فيه من الثقوب الدقيقة مالا عين رأت ولا أذن سمعت.
وبعد فترة من الزمن .. قصد الشيخ أحمد بن سرور، مجلس الشيخ زايد مصطحباً معه الطبيب، وكان كلّ من وقع عليه بصره في المجلس يرمقه برهة قبل أن يفرك يديه بيأس ويقول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله
لقد كان يبدو في هيئته المنتفخة تلك كم أصيب بالجدري...
‫#‏محمد_أحمد_السويدي‬
‫#‏حكاية‬
‫#‏دبابير‬
 

Monday, 23 May 2016

غاودي وعائلته المقدّسة


 
في جولتنا في "برشلونة" قصدنا كنيسة العائلة المقدّسة (La sagrada Família)، التي تُصنّف كأحد روائع أسبانيا الإثني عشر، ومن روائع العالم، برغم أنها لم تكتمل بعد، بل ويرى المشرفون عليها أن ذلك لن يحدث قبل عام 2026م، أي بعد قرن من وفاة مصمّمها المعماري "أنطونيو غاودي" الذي صنّفت اليونسكو عشرة من أعماله المعمارية ضمن التراث الإنساني العالمي.
شُرع ببنائها في حياة "غاودي"عام 1882م، وكرّس نحو خمسة عشر عاماً في بنائها حتى وفاته، وأخذت اسمها من حي "ساغرادا فاميليا" الذي أقيمت فيه.
وعندما كان المعماري العظيم الذي ترك أثراً يمكننا أن نتبيّنه على هيئة صليب من الفضاء يُسأل عن سبب البطء في أعمال البناء، كان يردّد أنه "ليس على عجلة من أمره".
وها قد مرّت تسعة عقود على أول حجر من أحجار العائلة المقدسة ولم تكتمل بعد.
تُعد الكنيسة مركز جاذبية كبير للسياح حيث يمكنهم التجوّل في الأماكن التي اكتمل العمل عليها، فيزورها ما يربو على المليون شخص كل عام، ويشكّل المال الذي يتقاضونه من مبيعات التذاكر أحد أهم مصادر تمويل بنائها، حيث أن الكنيسة لا تعتمد في أعمال البناء على أي مصدر حكوميّ أو رسمي.
أمّا الكنيسة فظاهرها يختلف عن باطنها، فلقد أراد "غاودي" أن يجعلها من الخارج تزخر بالوحدات التزيينية من تماثيل أعتمد فيها الطابع التكعيبي لشيوعه في تلك الفترة، ولكنه أقرب إلى روح "غاودي" من رموز التكعيبية التي لم تتكرّس كمدرسة أو تيار معماري خارج عملية الفن التشكيلي.
كذلك أعتمد على تأثيرات باروكية، وقوطية، وآسيوية تأثر فيها في مرحلة من دراساته وبحوثه ونرى ظلالاً لها في عمله، كما نجده ينبذ الخطوط المستقيمة ويحفل بالخطوط المنحية، وتشكّل الطبيعة مصدراً لوحداته الهندسية والزخرفية كالأشجار والطيور والأسماك.
أما من الداخل فباطنها أكثر زهداً وتقشّفاً، ويبتعد فيه عن التزيين وكأنه أراد لمن يدخلها أن يكون بمواجهة الحالة الوجدانية، أما في الخارج فسيكون الزائر بمواجهة تامة مع الحالة الجمالية.
حاول "غاودي" في تصميمه أن يوظّف الضوء والفراغ، ويعيد اكتشاف الدهشة في كل تفصيل من الكنيسة، فمثلاً، شعرت أن وظيفة السلالم ليست في الصعود أو الهبوط بقدر ما جعلها توحي بأنها قادرة على منح تأويلات جديدة خارج مجال عملها الأصلي، فلقد بدت لي السلالم وكأنها شرائط تنزل من شعور الفتيات. وعندما قمت بتصوير الكنيسة من غير قصد بعدسة (عين السمكة) بدت في الصور وكأنها حُوتٌ عملاق وقد ابتلع الناس.

سَطيف .. أَرضُ الجَبابِرة



سَطيف .. أَرضُ الجَبابِرة
سطيف، إنّها هي -دُون غيرها- ما تلهبُ قلوبَ الجزائريين..
شعب تكمن عميقاً فيهم أرواحُ جبابرة تستنهض الأحداث حضورهم، فيبزغون من كلّ فجّ عميق.
لقد نهضت فيهم جينات الجبابرة هذه، ونفضوا عن صدورهم كابوس أعتى قوة استعمارية كانت قد احتفلت بمرور قرن من الزمان في عام 1930م، على وجودها في الجزائر، بل وأنشأت آلاف الوحدات العمرانية تأكيداً لبقائها الأبدي فيها، والتعامل مع الشعب الحيّ كمجموعة سكانية قابلة للتذويب بطرق شتى، ومنها تلك المقتلة الهائلة التي راح ضحيتها 45 ألف جزائري في يوم واحد.
سَطيف، التي دخلْتُهَا في العاشرة من صباح الأربعاء الحادي عشر من ديسمبر من عام 2013م، كان لنا موعدٌ مع سطيف المدينة التي حننا إلى لقاءها طويلاً.
نحن في منزلة الإكليل (اكليل العقرب)، كانت الشمسُ في برج القوس، وكان القمرُ يعقد موعداً مع الحمل الثرثار، وأمّا الزهرة فراحت ترنو إلى الجدي بحنوّ.
عندما بلغنا دارة الوالي استقبلنا الوالي "محمد بودربالي" على باب الدار، وبعد تناول الشاي الجزائري سألنا عن جوز سطيف "الإرجيقن" الذائع الصيت، كما ورد في كتب التراث. فلقد ذكره المقدسي، وابن البيطار، والقلقشندي وغيرهم من علماء العرب.
ولم نعد إلا ونحن نحمل منه ما يجعلنا لا نكفّ طيلة فترة إقامتنا عن تهشيم قشرته الصلبة واستخراج اللبّ.
ثمّ قصدنا "العين الفوّارة"، قال الوالي: إنّ من يشرب من ماء الفوّارة حتما سيعود اليها.
وفي متحف المدينة استقبلنا مدير المتحف وراحت فتاة تقدّم الشرح في قاعات المتحف الخمس، كان أهمّ ما شاهدناه هو لوحة موكب "باخوس" المعشّقة بالفسيفساء التي يظهر فيها الإله "باخوس" وأسوده عائداً من غزوة الهند، يجر وراءه الملوك والأمراء المكبّلين بالأغلال، وشاهدنا كذلك "مولد فينوس" الذي استلهم موضوعها "بوتاشيللي" فيما بعد.
قلت لصديقنا الوزير/ بوغازي ونحن عائدون في طريقنا للجزائر: لقد ترك الرومان أرض الجزائر كما تركها الفرنسيّون، تركوها لمّا قاوَمَتهم بالحديد والنار، تركوا قصورهم ومنتزهاتهم ومعابدهم ومسارحهم وحمّاماتهم، وحتّى أربابهم وربّاتهم ورحلوا.

Sunday, 22 May 2016

أندرش




ندعوكم للتعرف معنا على مدينة "أندرش" andrax من مشروعنا ‫#‏مدن_أندلسية‬، في تجربة بصرية سمعية عن المدن التي زارها (لسان الدين بن الخطيب) في رحلته المسماة (خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف).
والتطبيق متوفر على ITunes
http://andalus.electronicvillage.org
 

Saturday, 21 May 2016

A Tale of Two Cities قصّة مدينتين






A Tale of Two Citiesقصّة مدينتين-
ندعوكم لسماع ملخص هذا الكتاب، وهو من مشروعنا (101 كتاب)، وهي الكتب التي انتخبتها صحيفتا "الغارديان" البريطانية و"الو موند" الفرنسية من قائمة الكتب الأكثر تأثيراً في الحضارة الإنسانية...
http://101books.electronicvillage.org
قصّة مدينتين A Tale of Two Cities
قصة مدينتين (بالإنجليزية: A Tale of Two Cities) هي الرواية التاريخية الثانية للكاتب تشارلز ديكنز، تدور أحداثها في لندن، إنجلترا وباريس، فرنسا خلال أحداث الثورة الفرنسية.الرواية تصوّر محنة الطبقة العاملة الفرنسية تحت القمع الوحشى للأرستقراطية الفرنسية خلال السنوات التي قادت إلى الثورة، والوحشية التي مارسها الثوريون ضد الأرستقراطيين في السنوات الأولى للثورة.الرواية تتبع حياة بعض الأشخاص خلال تلك الأحداث، أشهرهم في الرواية هو تشارلز دارنى، أحد الأرستقراطيين الفرنسيين، الذي يقع ضحية للثورة العمياء التي لم تميز بين الخير والشر برغم شخصيته الطيبة، وسيدنى كارتون، المحام الانجليزى السكير، الذي يضحى بحياته لأجل حبه لزوجة دارنى، لوسى مانيت.هذه الرواية هي الرواية الأكثر تدريساً في المدارس الثانوية في الولايات المتحدة والكثير من دول العالم. تم نشر الرواية بشكل اسبوعى (على خلاف معظم روايات ديكنز الأخرى التي كانت تنشر بشكل شهرى). الحلقة الأولى نشرت في العدد الأول للنشرة الدورية لـ ديكنز "على مدار العام" (بالإنجليزية: All the Year Round) التي نشرت في 30 أبريل عام 1859، ونشرت على مدار 31 عدد نُشر الأخير منها يوم 26 نوفمبر من نفس العام.

Wednesday, 18 May 2016

للمتنبي -- أيدري الربع أي دم أراقا



2016-05-18
اعرض في فيس بوك
التصنيف : Motanabbi


ندعوكم للإستمتاع بمقطوعة "ونظرت إليهم والعين شكرى" من قصيدة: "أيدري الربع أي دم أراقا"، للمتنبي، بصوت: عبد المجيد المجذوب.
وهي من مشروعنا ‫#‏واحة_المتنبي‬، والتطبيق موجود على (iTunes) http://almotanabbi.electronicvillage.org
ومتوفر أيضاً على شبكة الإنترنت http://www.almotanabbi.com

السيد ولـيم والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة





 
 
 
 
السيد "ولـيم" والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة
عندما عملتُ في المجمع قبل سنواتٍ خَلت، توصّلت بكتاب (المعلّقة الرابعة) لـ "لبيد بن أبي ربيعة"
وكان الكتاب (مدوّنة بصرية) تعقّبت ( لبيد) في أمكنته، وتحولاته، التي جاءت بها قصيدته.
سألت عن مؤلف الكتاب، فعلمتُ أنّه متحدّر من عائلة أنجبت رئيساً للولايات المتحدة.
ولأن مثل هذه الكتب توحي وكأن مؤلفيها عاشوا في زمن سابق، فسألت إن كان لا يزال على قيد الحياة؟ فقالوا:بلى.
فسألت عن إمكانية دعوته: فأخبرني بعضهم أن مواقف الرجل تغيّرت، وأصبح صهيونياً، ولم يعد عروبياً كما عهدوه أول الأمر.
فتركت الأمر- على مضضٍ- ولم أعد إليه في تلك الآونة.
وبعد أربع سنوات، هاتفني الصديق المرحوم (عبد الملك الحمر)، وكان يعمل – آنذاك- في المصرف المركزي، وبدا عليه وكأنه في ورطة؛ فقد كان يومه مزدحماً، ولديه رجل ربما ضاقت به السبل - ويخشى أن يضيق به هو أيضاً- يُدعى "وليم بولك".
أدركت على الفور أنه كان يعني "بولك" صاحب كتاب ( لُـبيد) ذاته.
فالرجل كان يبدو بحاجة إلى من يصغي إليه، ولقد شعر في نفسه أنه يحمل زاده معه ليستعين به على وحشة الطريق، فلقد بلغ من العمر ما يجعله ينبذ التريّث، ويمنح تصوّراً لمن يلتقيه وكأنه على عجلة من أمره.
حدّثني عبد الملك عن نيّة "وليم" في العمل على مشروع سيتناول فيه (امرئ القيس) على شاكلة ما فعله مع (لـبيد)، ولقد أعياه العثور على من يتبنّاه، فأمرؤ القيس -لا ريب- أنّه أكثر توسّعاً في شعره وأمكنته، فهو قطع شبه الجزيرة من الجنوب حيث منزله الأول في كندة، مروراً بشمالها حيث التقى (السموأل بن عادياء) في تيماء، وصولاً إلى أنقرة كما تشير إلى ذلك مجموعة من الروايات.
و- شخصيّاً- أرى أن ما تداولته المصادر أو ما ورد على ألسنة الرواة عن أمرئ القيس، هو في الأصل مجموعة واسعة من الحكايات والملاحم الشعبية، التي أصبحت في فترة التدوين تستجيب لمراكز ثقل وقوة القبائل أثناء حروب الفتح وانتشارها في جغرافيات جديدة، وظهور النزعة القبيلة بعد فترة الخلافة الراشدة، وكان من الضروري أن تعمل القبائل على سرد الماضي وبيان مآثرها وقوتها فيه وكيفية انعكاس ذلك على حاضرها، من خلال استثماره في الوضع الجديد كأمراء على الأمصار أو قادة على الجند. لأنني أثق أنّ امريء القيس لم يذهب إلى أنقرة ليستنجد بملك الروم ولم تنته حياته غريباً على جبل يُقال له عسيب، وحتى الحكاية التي ربطته بالسموأل أجد أنها على غير ماورد في الروايات، فإذا كان أمرئ القيس بلغ تيماء والتقى بالسموأل حقا، فأجد أن السموأل استأثر بدروع أمرئ القيس لنفسه ولم يسع إلى التخلي عنها رغبة في الاستحواذ عليها، لأن الروايات لم تشر إلى ما بعد مقتل ابنه، ولا نعرف من مصيره شيئاً، وكأن الرواية كانت مقطوعة عن سياقات كثيرة لتمنح دليلا في اتجاه آخر حول وفاء الرجل، وأجد أن هذا الأمر كان جزءاً من صراع النفوذ والقوة والتأثير بعد سقوط دولة بني أميّة، والعمل على تقاسم تركاتهم في دولة بني العباس التي اتسع نفوذها وتضخّمت مؤسساتها.
عندما رأيت أن عبد الملك -رحمه الله-، كان يسعى إلى تعريفي بالسيد "بولك" ليتخفف من مشقة الاستماع إليه، فقلت له: أرسله لي.
كان صوت عبد الملك يصلني عبر الهاتف وكأنه يستنجد.
ما أن التقيت بالسيد "وليم" وشرعت بالحديث معه، حتى أدركت معاناة عبد الملك.
ولكنني فوجئت بأن الرجل لم يرتدّ عن مواقفه، بل العكس، أصبح أكثر التزاماً بها، ولكنه وهو في مثل هذه السنّ، كان قد حدّد أولوياته، ويبدو - من خلال وجهة نظره- أن لا شيء يجب أن يسبق القيام بمشروع (المدونة البصرية) التي سيتناول فيها امرؤ القيس.
ثم قال لي أن مشروعه يحتاج إلى ميزانية تتحرّك بين مليون ونصف، إلى مليوني دولار.
فشعرت بمرارة لعدم استطاعة المجمع توفير مبلغ كبير كهذا - في تلك الأيام-، حيث كانت الميزانية السنوية بالكاد تلبّي الفعاليات المقررة سلفا.
ففكرت بمن في وسعه أن يتبنّى أفكار السيد "وليم" ويكون قادراً على تمويل أحلامه.
وبعد يوم جميل تخللته الحكايات على تنوّعها غادر السيد "وليم" إلى باريس حيث يقضي فيها سنوات تقاعده.
لم أنقطع عن التواصل معه طيلة سنوات، و- في الوقت ذاته- لم أكفّ عن التفكير بضرورة إنجاز عمل مشترك يتناول أول (ملك ضلّيل) وصلنا شعره وسيرته.
وفي أواخر عام 2000، ولم تكن الفكرة قد برحت ذهني بعد، قرّرت أن أتبنّى المشروع شخصيّاً، خصوصاً وأن الإتفاق كان على ظهور الكتاب بذات جودة كتاب (لـبيد)، ولقد شعرت بمزيج من الغبطة والفخر وأنا أهاتفه، وكنت حينها في لندن.
وقلت له يا سيد "بولك" أريد أن أزفّ إليك خبر توفير المبلغ الذي سيمكّنك من إنجاز مشروع امرئ القيس
فجاءني صوته ضعيفا وهو يقول: آه يا محمّد، عليك أن تتقبّل اعتذاري عن القيام بهذه المهمّة..
فالرجل الذي عرفته قبل عقد من السنين أصبح هرماً، ولم يعد بوسعه أن يفعل شيئا أكثر من أن يتمنى أن تسنح الفرصة لأحد الشباب ليكمل ما بدأته.
وكانت تلك المكالمة نهاية حلم المعلّقة الذهبية وملكها الضلّيل.
‫#‏وليم_بولك‬
‪#‎William_R_Polk‬
‫#‏امرؤ_القيس‬
‫#‏محمد_أحمد_السويدي‬
*في الصورة السيد/وليم بولك ضيف شرف مجلس معالي /محمد أحمد السويدي أمس
 

Friday, 13 May 2016

رحلة ابن عتيبة إلى مكة


رحلة ابن عتيبة إلى مكة
حدثنا العم / سعيد بن أحمد خلف العتيبة، عن رحلة والده إلى الحج عام 1359 للهجرة.
وإذا قلبنا أوراق التاريخ الحديث، نجد أن في ذلك العام أعيد انتخاب الرئيس "روزفلت" للمرّة الثانية، وكانت الطائرات الألمانيّة تدكّ "لندن" بالقنابل، و"ولت ديزني" يجرّب فيلمه الطويل "بونوكيو"، و"جو لويس" يسقط الأبطال في الوزن الثقيل بالملاكمة، و"فرانك سيناترا" يطلّ إطلالته الأولى على جمهور إنديانابوليس، و"الجيب" سفينة الصحراء المرتقبة توشك على الظهور.
في ذلك العام، عزم الجدّ أحمد على القيام برحلة الحج إلى مكّة والمدينة، وقد صادفت الوقفة فيها 8 يناير عام 1941. علماً أنّ ذلك العام شهد وقفتين، وكانت الثانية في 25 ديسمبر، وهي الوقفة التي غرقت فيها مكّة بالأمطار.
وإذا صادفت الوقفة الثامن من يناير، فهذا يعني أنّهم غادروا البلاد في (طالع الإكليل)، في قرابة العاشر من ديسمبر 1940، أي في مربعانيّة الشتاء، وهي في المخيال الشعبي "مقرعة البيبان" التي قالت متوّعدة الناس: "إذا ما عجبكم حالي بأرسل لكم السعود خوالي". والسعود في فبراير ومارس، وهي سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود.
بدأت الرحلة بعد أن عزموا على الحجّ، وعقدوا النيّة لبلوغ مكّة والمدينة، فاستقلّ أحمد بن خلف ومعه زوجاته: آمنه بنت سلطان بن مجرن، وأبناؤها عبد الله (جدّي ووالد والدتي) وبطي، والعفّاد، وشمّا بنت محمد المزروعي، وولدها محمد، وابنتها نورة وابنها محيميد بن أحمد بن حبتور، وفاطمة بنت خلفان المحيربي، وابنتها حمدة (أم أختي موزه)، وهي أولى زوجات الوالد.
وكان من ضمن الركب العمة شمسة بنت أحمد السويدي، زوجة حامد بن بطي وأم أحمد بن حامد وهي عمة الوالد؛ وكذلك ضمّت الرحلة خليفة بن يوسف وسلطان بن يوسف،وفالح الصومالي ومحمد بن عبد الله بن معضد وراعي الصرّة حمد بن قطامي وبو زاهره منصور بن غانم واستقلّوا جميعاً مركباً كبيراً لأحمد بن خلف يسمّى (فتح الباري).
وعلى الرغم من أنّهم استقلّوا وسيلة فارهة، مقارنة بالسفر فوق ظهور الإبل، إلاّ أنّها كانت متعبة إذا ما قورنت بالسفر في أيّامنا هذه، حسبك أنّ جميع المسافرين، رجالا ونساء وأطفالا، كانوا يفترشون سطح السفينة مجلساً وملعباً ومكاناً للنوم.
ولكن السيّد عبد الله الهاشمي كان له رأي آخر عندما هنأ الجد أحمد بن خلف بمناسبة شراءه السفينة فتح الباري:
مترحّل عن بوظبي بالعشيّه متزوّد طيب الثنا وزين لعلام
لا شدّ كور ولا تزّمل مطيّه إلاّ على لنج على اليم عوّام
فتح من الباري وهذا سميّه منحوت من ليحان ساج وبرهام
فلك ويعدي به كروخ قويّه في كل وجهه له تياسير واولام
له فنّة رحب فناها بهيّه مفروشة لكنها كشك الاروام
يشعل بها التريك ناره زهيّه بعيد الضحى فيها وتنزاح الاظلام
يا بوسعيد مبارك ذا الشريّه الله عساها قادمه خير الاقدام
وخرجت أبو ظبي عن بكرة أبيها في توديعهم من منطقة رأس البرّ، وكان فيهم الوالد ولم يكن قد تجاوز العاشرة بعد، وما زال يتذكّر ذلك اليوم، فلقد كان يوماً مشهوداً في الذاكرة الظبيانية.
ويقول العمّ سعيد إنهم كانوا يرتدون العقل المقصّبة، وكان يوماً بهيّاً وكبيراً، ثم يردف وهو يتحسّر: لم يكن هناك من يصوّرنا في ذاك اليوم.
أبحرت السفينة قاصدة ميناء العجير. ولابد أن تكون قد استيقظت في نفس أحمد بن خلف تلك الرحلات الموسمية في مركبه إلى دلما حيث كانت سفنه تمخر عباب الخليج بحثاً عن هيرات اللؤلؤ من جنوب البصرة حتى بحر عُمان، وكان قد اتخذ من مركبه مقراً يقيم فيه ويلتقي الطواويش والنواخذة، ويولم لهم الولائم ولا يقفل راجعاً إلى دبي إلا بعد أن يوشك الموسم على الانقضاء.
كان بعض الطريق إلى العجير يشترك مع الطريق الذي طالما قصده قبل سنوات من ذلك التاريخ إلى دلما.
وكانت تجارة اللؤلؤ في أيام الرحلة فقدت جزءاً من بريقها بعد أن نفضت اليابان سجادة لؤلؤها المستغرس في أسواق العالم، وامتصّت السحر من هيرات اللؤلؤ في الخليج حتى مشارف الهند.
و ‫#‏العجير‬ ميناء تاريخي، أخذ تسميته نسبة إلى قبيلة (عجير) التي سكنت الأحساء قبل الميلاد، ويعتبر أقدم ميناء تجاري على مياه الخليج العربي ويقع شرق منطقة الأحساء. وبعد أن بلغوا هذا الميناء، قصدوا واحات الأحساء إلى الغرب، وانقسموا إلى فريقين: أولهما الوالد أحمد بن خلف وحريمه في السيارة الصالون؛ والآخر، وكان فريقاً كبيراً ينوف على الأربعين حاجاً، ركبوا نوعا من الحمير عالية الظهر تُعرف بالحساوية، وهي معروفة بكبر حجمها وقدرتها الفائقة على التحمّل، وباتوا ليلتهم تلك في منطقة تُعرف باسم "المطيوي" نسبة إلى عين ماء أقيمت من حولها قرية تتوسط الطريق إلى الأحساء، وذبحوا خروفاً وقضوا ليلتهم يترقبون الصباح التالي لينطلقوا صوب الأحساء.
غادر الموكب الكبير صباحاً وبلغوا الأحساء في طالع القلب الذي قيل فيه إذا طلع القلب جاء الشتاء كالكلب وصار أهل البوادي في كرب.. وفي الأحساء وجدوا الأمير سعود بن عبد الله بن جلوي في انتظارهم، فأكرم وفادتهم غاية الإكرام وأقاموا في الأحساء عشرة أيام ينعمون بعناية أميرها الذي حرص على تلبية كل ما يحتاجون إليه بنفسه.
وفي الأحساء التي لابد وأنهم طافوا في أرجائها وربوعها خلال الأيام العشرة، وأدركوا عن قرب حياتها الداخلية، وبينما كان العم سعيد يطوف سوقها، إذا به يرى مطر بن محمد المهيري مع صديق له يبيعون الركاب في السوق، فتعلّق به قائلا: خوي سعيد يابعدي، تقدرون تودوني معاكم الحج؟
فقال له: أبشر. واستأذن الوالد أحمد بن خلف الذي أذن له ورحّب به.
قال العم سعيد: كُتب للمهيري نصيب.
وبعد انقضاء الأيام العشرة، ودّعوا مضيفهم الشهم الأمير سعود بن جلوي واستقلّوا سيارتين نصف لوري. أما أحمد بن خلف وحريمه فلقد استقلّوا سيارة صالون وصاروا ينهبون الأرض في طريقهم إلى الرياض.
كان الشوق إلى بلوغ مكة يقودهم ويجعل كلّ المشاق في الطرق الوعرة التي تمتد نحو أربعمائة كيلو متراً، وكأنها من أجل تحصيل الثواب، فكلما زادت مشقة السفر في طرق غير معبدة كلما زاد أجرهم.
وبعد جهد جهيد بلغوا الرياض، ونزلوا في بيت أعدّ لهم، وعلى مقربة منه بئر. ثم جاءوا لهم ببراميل كبيرة من الماء. وكانوا كلّما استيقظوا صباحا يجدون الماء وقد تجمّد في سطوح البراميل من فرط البرد لدرجة أنهم جاءوا بجرن كبير من خشب الغضا الذي تصف العرب ناره بالمضيئة التي لا تنطفئ وهو يكثر في نجد، ومنها انتقلوا إلى مضارب خيام الملك عبد العزيز في الثّمامة على مشارف عاصمته.
كان الملك عبد العزيز يقدّم الوالد أحمد بن عتيبة إلى ضيوفه وكبار رجالاته بقوله: هذا ابن عتيبة.
قالها لابن عمه سعود الكبير الذي كان لشدة البرد يرتدي غترتين بيضاء وحمراء، ثمّ قال لأحمد بن خلف: هذا سعود الكبير، وكان سعود هذا ابن عمّ الملك وزوج نورة بنت عبد الرحمن بن فيصل.
وما زال العم سعيد يستعيد دهشته ذاتها التي وجد نفسه فيها، وهو يواجه ضخامة الخيام وفخامتها والكهرباء التي جعلتها تتوهّج سواء في رابعة النهار أو في الليل، ولم يكن رآها من قبل.
كان البرد قارسا وشديد الوطأة في تلك الأيام حتى إن بعضهم بدأ يشكو السقم مثل ابن حبتور الذي كانت بنيته تجعل البرد يقيم فيه.
وبعد نحو أربعة أيام في ضيافة الملك عبد العزيز، تابعوا الرحلة نحو مكة وكانوا على حدّ قول العم سعيد (شورهم بيديهم) فاستقلّوا السيارات صوب الحجاز التي تبعد قرابة تسعمائة كيلواً متراً كانوا فيها يصارعون المفازات المضلّلة والدهماء، تدفعهم غاية تقصر عن بلوغها كلّ وسيلة مهما بلغت من المشقة.
وكان للسيارات في هذه الدروب حنين وأنين وكأن سائقها كان يردّد في سرّه قول الشاعر أحمد الكندي لاحقا:
صوبهم في خاطري سيره
فوق جيبٍ يقطع الفيّه
يطرب السوّاق في سيره
لي ضرب دارٍ خلاويّه.
دعاهم داعي الشوق حتى بلغوا مكة في طالع الشولة التي قال فيها العرب: إذا طلعت الشولة أعجلت الشيخ البولة واشتدّت على العائل العولة.
حدّثني العمّ سعيد أنه رأى اليأس يدبّ في نفس العمّة شمسة بنت أحمد (عمّة الوالد ووالدة الشيخ أحمد بن حامد) من تقبيل الحجر الأسود، ولم تكن تكابد الأمر بنفسها، بل كانت في جملة من النساء اللائي عدن يائسات من المشمّ؛ وقد رأين شرطيّا يشرف على الحجر وبيده عصا يهوي بها على كل من أراد استقبال الحجر من الحجيج.
وكان سعيد في تلك الأيام تأخذه الحماسة مآخذ الجسور من الرجال ممن لبسوا القلوب فوق الصدور، وكان فتى القوم بحسب تعبير المتنبي الذي تتضاءل أمام حضور فتوته الصعاب.
وعندما رأى الخيبة والألم يعتصران قلب شمسة ومن معها من النساء سألها عن الأمر، وما إن أخبرته حتى قال لها تعلّقي بحرمي، فتعلقت وقصدا المشمّ .. ومن خلفهما النسوة الأخريات حتى أشرف على الحجر وقال لها استقبليه، فما إن رفع الشرطي عصاه حتى قبض عليها سعيد بيد من حديد وانتزعها منه، وقال لها شمّي الحجر، ففعلت شمسة.
ثم قال للنساء: إليكن بالحجر، فشممنه حتى شبعن، لدرجة أن سعيد حدّث نفسه في تلك البرهة أنهن لن يفرغن من شمّ الحجر أبداً.
كان الشرطي قد أسقط في يده وأصبح خلواً من السلطة التي توفرها العصا، فخاطبه سعيد مغضبا: اتّقِ الله في النسوة يا رجل، لقد سببت الذعر لحجيج الله في بيته، وألقى عليه العصا وغادر مع النسوة، وكان بين من حضر الموقف سلطان بن يوسف الذي كان على نقيض العمّ سعيد يؤثر السلم ويتجنّب أسباب الخلاف، حتى إنه تردد كثيراً، قبل أن يحجم في نهاية الأمر عن شمّ الحجر.
ويذكر العم سعيد يوماً أنّه أفاق ليلاً وهمّ بالخروج من الخيمة عندما تعثّر بــ حمد بن قطامي وكان رجلا يبهش – له ردّة فعل- قال سعيد: فحاول القبض عليّ فصارعته، وضللت أسأله وأنا قابض عليه إن كان في اليقظة أو ما زال في النوم .. قال العم سعيد: كنت أخشى ردّة فعله، فاضطررت لمصارعته –قبضته قبضه لا تنشد عنها- وأرسل ضحكة عالية..
كان سعيد في رحلة الحجّ تلك في فورة الشباب ولم يكن قد اختبر الزواج بعد، وفيه من العزم ما يلين حد المركب الخشن. وكأني بالمتنبي وقد أراد سعيد لا سواه في قوله:
قد هوّن الصبرُ عندي كلَّ نازلةٍ وليّن العزم حدّ المركبِ الخشنِ
وفي المدينة قال العم سعيد: كنّا نأتي إلى باب السلام عند الفجر، فنجد أمماً مجتمعة تحاول الدخول فالباب لا يفتح إلاّ فجراً، فتساءلنا لم اندفاعهم عند فتح الباب وكيف أنّهم لا يراعون حرمة المسجد فعلمنا من الشيخ/عمر أنّهم يتسابقون للصلاة في الروضة المشرّفة وقال لنا إنّ من صلّى في الروضة غفرت ذنوبه، فكنّا بعد ذلك كلمّا فتح الباب ننطلق كالسهام نسابق الحجيج فنكون أول المصلّين في الروضة المباركة، قال العم سعيد: مبخوت اللي يصلّي فيها.
وقال: مكثوا في مكة ثمانية أيام، ومثلها في المدينة حتى أتمّوا المناسك وعادوا أدراجهم إلى الحسا، ومن ثم إلى ميناء العجير.
لم تكن سفينتهم (فتح الباري) قد وصلت بعد، فاستأجروا مركباً من رجلٍ يُقال له حسين بن عميرة، لأن الوالد أحمد كان مستعجلاً في العودة من أجل قضاء بعض شؤونه ومصالحه.
ولكن سفينة بن عميرة حدث فيها عطل، فبادر العم سعيد وخليفة بن يوسف ومحمد بن أحمد إلى إسعاف بن عميره وأخذوا يصيحون: الكوبلين.. الكوبلين
وأخذوا يعالجون العطب حتى تم لهم إصلاحه.
وانطلقوا صباحا، وما هي إلا هنيهات حتى لمحوا سفينتهم (فتح الباري) مقبلة نحوهم، ولكن بعد أن فات الأوان فلحقت بهم إلى البحرين.
وفي تلك السنة، قال العمّ سعيد، وصلنا خبر ولادة خلف بن أحمد.
أقاموا مدة يومين في البحرين، وبالغ الأمير حمد بن سلمان في إكرامهم فصرف للرجال وللنساء الكسى والرواتب.
وكان لذلك الفعل أثره البالغ في نفس الوالد أحمد بن خلف، الذي بادر فور وصوله إلى أبو ظبي إلى إرسال ناقة اسمها (سمحة) من كرام الإبل، هدية لحاكم البحرين حمد بن عيسى، فوقعت في نفسه موقعاً عظيماً وأرسل إلى الوالد أحمد بن خلف سيارة فورد. وكانت من أولى السيارات التي تدخل أبو ظبي.
طال أمد الرحلة نحو أربعين يوما، ودخلوا أبو ظبي في منتصف يناير من عام 1941، وكان الطالع حين العودة النعايم، بعد أن أنعم الله عليهم بحج بيته.
كان العمّ سعيد ثابت الجنان رابط الجأش، وعندما يمدّ بصره وهو يحاول أن يستجمع تلك الأيام، كان يتحدث بعجب عن تلك القوة التي كان يدّخرها وذلك العزم الذي أدركه القاصي والداني. وبعد أن انتقل العمّ سعيد مع من انتقل إلى قطر، صار يصطحب القادمين للعلاج من أبوظبي ودبي إلى الحج مثل درويش بن كرم وغيره، فإنهم كانوا لا ينجزون الأمر إلا والعمّ سعيد في رفقتهم. وكان يعمل بهمة على تخليص أوراق الجمارك والجوازات وحده، ولم تحج والدته في تلك السنة التي حجّ فيها أحمد بن خلف، ولكنه عوّضها في السنوات اللاحقة وقصد بها الحجّ مرات عدّة.
وفي إحدى تلك الرحلات، توفيت فاطمة زوجة ثاني بن حبيش السويدي - رحمها الله- ودفنت في منطقة الأبطح. ويتذكر العم سعيد أنهم فقدوا في عرفة أثر طباخة لهم غابت عن أبصارهم وتاهت، فقال سعيد سأولم لكم بنفسي، قطّعوا اللحم، فلن يعدّ المكبوس سواي. وقبل المغيب نضج الطعام، فقال للنسوة بصوت واثق: اغرفن.
وختاما، فالحج لم تكن طقوسه لتكتمل لولا وجود العمّ سعيد الذي كان يجعل كل شيء متاحا وممكناً وفي متناول اليد، حتى لو كان الحجر الأسود الذي يشرف عليه رجل غليظ القلب يقبض على عصا، أما ما حدث لأول سيارة "فورد" في أبوظبي وما كابدته في طرقها غير المعبدة ... فتلك حكاية أخرى....
  
http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=110

Wednesday, 11 May 2016

ديكة سيينّا





أينما قلّبت وجهك في "كيانتي" ستراه، على مداخل القرى، على واجهات المحلاّت التجاريّة، على منافض السجائر، على أغلفة الكتب، على أكمام القمصان.
سألت عنه بعض من التقيتهم، ولكنهم في الغالب لا يعرفون من أمره أكثر من سواده، وتحوله إلى شعار منح المقاطعة هويتها. إنه (ديك) "كيانتي"، الذي ما أن تفرّست به في واجهة أحد المحال في "جريفي"، وأشحت بوجهي بعيداً عنه، حتّى أخذ يقضّ مضجعي بصياحه، الذي لا ينقطع طوال الليل، ولم أطق عليه صبراً، حتى أرسلت في أثره فلّما حضر، هدأ وهدأتُ.
ولكن ما قصة هذا الديك الأسود الذي صار ضموره وهزاله مفخرة كيانتي منذ أجيال.
ذهبوا أن الأمر بدأ بنزاع بين مدينتي "فلورنسا" و "سيّنا"، أزهقت فيه الأرواح، وبذلت المهج، حتّى تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم، ولمّا استراحوا في نهاية المطاف إلى العقل، قرّروا أن يجنحوا نحو الصلح والسلم.
وهكذا صار بهم الأمر إلى اقتراح حلّ منح الحكاية بُعدها الشعبي المعروف، فلقد اقترحوا أن تنتخب كلّ بلدة (ديكاً) وفارساً، ومتى ما صاح الديك المختار في كلّ بلدة، انطلق الفارس على حصانه، حتى يلتقي بالفارس الآخر، وتكون تلك النقطة هي الفيصل في ترسيم الحدود المتنازع عليها بين المدينتين. أعدّت "فلورنسا" (ديكاً) أسودا، منعت عنه الرقاد والطعام أياّما حتى نال الضمور والهزال منه. بينما جاءت سيينّا بديك أبيض منعّم مرفه كبيضة خدر.
وفي اليوم الموعود بكّر (الديك) الفلورنسي بالصياح من فرط ما أمضّه الجوع، فانطلق الفارس الفلورنسي ينهب الأرض نهباً، أما الديك السيينّي فلم يشرع بالصياح إلا بعد أن انشقّ عمود الصبح، وانبلج الفجر وتبيّن الخيط الأبيض من الأسود، ولم يكد الفارس السيينّي يجتاز مسافة يسيرة حتى التقى الفارس الفلورنسيّ. ضمّت بعدها فلورنسا مقاطعة "كيانتي" إليها، ومنذ ذلك الحين وهي تفاخر بديكها الأسود الهزيل الضامر.
عندما دخلنا "سينّا" لأول مرّة، شعرت بأن القوم ينظرون إلينا بشيء من الوجل، كنّا لا نزال نستعيد الحكاية في السرّ حتى آل بنا الأمر إلى أن نرى (ديكاً) أبيضاً مرفّها ومنعّما فوق رأس كلّ سيينيّ، ولكنه لن يقضّ المضجع شأن (ديّكة) "كيانتي".
في ركن مطفأ في عاصمة الفنون "فلورنسا" يذهب الراسخون في علم المائدة الفلورنسيّة لتناول وجبة الغداء في مطعم "سوستانزا" الشعبي الشهير، وعند وصولنا إلى هناك، اقترح علينا النادل طبقا شهيّا من الدجاج معدّاً بالسمن البلدي، وهو طبق قديم قدم المسابقة بين المدينتين، وكم كان مبعث سرورنا أن يصبح هذا الطبق من أشهى الأطباق التي قدّمتها لنا إيطاليا، ولكن كانت دهشتنا كبيرة عندما علمنا من النادل نفسه كيف انتهى المطاف بديكة سيينّا وكيف صارت طبقا لذيذا على مائدة الفلورنسيين.
 

Sunday, 8 May 2016

هندرسون .. ذكرى الأيام الأولى



قرأت على الوالد ونحن نسير في جنائن "الريجنت" في أوّل أيّام الزبرة رسالة السيد "دي. اف. هولي" موظف دار الإعتماد في دبي بتاريخ 10 مايو 1959، وهي تنصّ على أنّ زيارة الشيخ/ راشد بن سعيد آل مكتوم، المرتقبة إلى لندن ستكون من 8 إلى 21 يونيو هذا العام وأنّ محل إقامته سيكون فندق "السافوي"، وسوف يصل المملكة المتحدة عن طريق أمستردام، وهو ينوي أن يصطحب معه ولدين من أبنائه هما (مكتوم) و(حمدان)، إضافة إلى عيسى القرق الموظف في البنك البريطاني -إذا سمح له البنك-، ومهدي التاجر العامل في الجمارك -إذا أمكن إعفاؤه من مهامّه الجمركيّة-، - وهو أمر صعب قليلاً-. وأضاف "هولي" أنّه فيما أراد الشيخ أن يمدّد الإقامة أكثر، فعليه أنّ يتحمّل النفقات، وأشار إلى أنّ شركتي "جراي ما كينزي" و"هالكرو" عرضتا استضافة الشيخ وفريقه، وأنّ الشيخ أبدى ولعه برؤية العروض العسكريّة.
قال "إدوارد هندرسون" - الذي عمل معي في المجمّع الثقافي- في كتابه ذكريات عن الأيّام الأولى في دولة الإمارات وسلطنة عمان:
كان الشيخ راشد ذا شخصية آسرة، بأنفه الشامخ وعينيه اليقظتين ولطفه الهادئ، ووقاره البعيد عن التكبر، وكان يرتدي دائماً (غترة) قطنية بيضاء، وعقالاً يثبتها في مكانها، ودشداشة طويلة تعلوها عباءة (بشت) سوداء تزينها من الأمام حافتان رفيعتان مذهبتان، ونعلاً من صنع دبي .
ولم يكن الديوان يخلو من بعض أفراد الرعية وهم في ثياب مماثلة، وكان بعضهم تجاراً وبعضهم من الحاشية، وغيرهم من الزوار، وآخرون من موظفي القصر.
وكان حضور الشيخ يفرض عليهم الأحترام والهدوء. لكن الأمر لم يكن يخلو من حركات رزينة. أما أذا تحدثوا فيما بينهم، فإنهم كانوا يفعلون ذلك بصوت منخفض . لأن احترام الشيخ لم يكن يعني توقف الأشغال، بل استمرارها، وهو ماكان الشيخ يريده. بل أنه كان يساعد بحماس أياً من رعاياه على تحسين مستوى دخله.
في تلك الأيام كان العديد من رعاياه قد أصبحوا أثرياء، لكن لم يكن لديهم أموال سائلة، لأن أموالهم كانت دوماً قيد الأستثمار.
ولم تكن مقابلة الشيخ تحتاج إلى أكثر من الذهاب إلى مركز الجمارك صباحاً، وصعود الدرج الحاد الضيق، وغير المنتظم، الذي ينتهي في أعلاه بشرفة مستوية عريضة مكشوفة، تطل على الخور. وإلى جانب الشرفة، كانت هناك غرفة مزدحمة، مفروشة بالسجاد والأرائك فقط ، عارية الجدران، ذات نوافذ خشبية كبيرة، مفتوحة المصراعين ... كان هذا مجلس الشيخ راشد -الصباحي-، حيث يجلس أربعون أو خمسون شخصاً على السجاد كتفاً إلى كتف، متكئين على الوسائد المستندة إلى الجدران، ناظرين عبر الباب أو النوافذ إلى الخور .
كان ينبعث من المجلس دائماً صوت حديث متواصل، ولم يكن يقطعه حتى قيام الشيخ لاستقبالك، وعندها، كان الشيخ بقامته الطويلة، المنحنية قليلاً يتقدم نحوك بيد ممدودة وابتسامة حارة، فيصحبك - إذا اراد الحديث معك على انفراد - إلى غرفة أصغر حجماً، تطل على الخور، ويقتصر أثاثها على سجادة فارسية حمراء وبعض الوسائد .
بعد فترة على معرفتي بالشيخ راشد، وصل الهاتف إلى دبي . وبعدها كان المرء يرى أنه من اللياقة إبلاغ الشيخ مسبقاً بزيارته. وكان الأمر ببساطة يعني أن تأخذ من أحد أتباعه رقم الهاتف الذي يكون بجانبه في تلك اللحظة. وكان يرد بنفسه على الهاتف، قائلاً أهلاً..أهلاً يسرني استقبالك.
لكننا في تلك الأيام الأولى، لم نكن قد حظينا بعد بالهاتف . ولذا كان على المرء أن يقوم بالزيارة بدون سابق انذار. وما أن نجلس في الغرفة الصغيرة، حتى نبدأ الحديث، ونحن نشرب القهوة بالفناجين الصغيرة متفرجين على منظر الخور البهيج أمامنا، والماء يتراقص بلونيه الأزرق والفضي حول الزوارق الصغيرة المتحركة في كل الأتجاهات.
بطبيعة الحال، كان لابد من البدء بالأسئلة التمهيدية: كيف صحتك؟ وكيف صحة الأهل في البلاد؟ وكم دامت رحلتك؟ إذا كنت قد وصلت جواً، وعساك استمتعت بالرحلة؟ كانت هذه الأسئلة توجه بلطف واهتمام واضحين . لكنه كان من الواضح أيضاً أن هذه الأسئلة التمهيدية – التي كانت تستغرق تلك الأيام في أجزاء أخرى من الخليج نصف ساعة، أو الجزء الأكبر من الزيارة – لم تكن إلا نوعاً من الواجب، وأن الأثنين يريدان انجازه بأسرع ما يمكن.
فقد كان الشيخ راشد واحداً من أولئك القادة الرواد في ترسيخ النموذج السائد الآن للاجتماعات العملية القصيرة التي أصبحت تميز الخليج اليوم.
بعد قليل من الزمن، ينطلق صوت الشيخ منادياً -قهوة- . لكن هذا لايعني أنه يتوقع منك الأنصراف، كما هو الحال أحياناً مع ضيوف آخرين.
تأتي الفناجين الصغيرة لنتجرّعها بسرعة، ولتملأ مرة ثانية بسرعة أيضاً . ثم يسأل الشيخ سؤالاً وجيزاً ، قد لا يكتمل أحياناً، وقد يكون محيّراً أحياناً أخرى، حول الموضوع الذي تنوي بحثه، والذي كنت تفترض أنّه لايعلم شيئاً عنه ، وهو افتراض ربما يثبت عدم صحته.
فاذا فرغت من الحديث حول القضية التي جئت من أجلها، أعطاك الشيخ رأيه مغلفاً ببعض الغموض، وبالمرح أحياناً، وبطريقة تريك مدى إطلاعه على الأمور. وربما لايترك رأيه مجالاً لمزيد من الحديث حول الموضوع.
وغالباً مايتم تبادل الآراء حول الأحداث الراهنة، وعندها يدلي الشيخ بسيل من التعليقات، تتميز أحياناً بدقة بالغة، وبتفسيرات ممتعة، عمّا كان البعض يعني حقيقة عندما قال مانسب إليه .
وقد لايكون من السهل متابعة كل ذلك لأن الشيخ كان يتحدث بعجلة لكثرة المواضيع المثيرة التي تنتظر رأيه.
وفي أحدى المرات، وبينما كنت اراقب تعابير وجهة ، ومياه الخور المتراقصة وراءه خيّل إلى أن الامر يشبه الحديث إلى لوحة تعبيرية، فحديثه المندفع كسلسلة من اللمسات البارعة، التي تبدو كما لو كانت غير مترابطة، يعطيك في النهاية صورة متلألئة وكاملة. إلا أنه، وعلى الرغم من تلهفه للانتقال إلى الموضوع التالي، كان يعيد بسرور جملة ما ، مستخدماً كلمات مختلفة، إذا ما اعترفت بأنك لم تفهمه.
وعندما نظرت ذات مرة إلى الشيخ نظرة استفسار بعد أن طرح عليّ سؤالاً سريعاً ، فإن ساقي القهوة الذي كان لحظتها يناولني فنجاني، قال بالعربية مفسّرا بحدّة : حسناً ، هل تستطيع القدوم إلى العشاء هذا المساء؟. ولذا فإنه من المفيد جداً أن يبقي المرء متيقظاً أثناء حديثه مع الشيخ راشد .
كان كثيرون يدخلون المجلس للحظات، فيهمسون شيئاً في أذن الشيخ ، ثم يتلقون ما كان يبدو لي غالباً تعليمات لم أكن أفهمها. فبالنسبة لي، وباستثناء تلك الدعوة الغامضة للعشاء، أعتقد أنّ الشيخ راشد لم يقل لي شيئاً لم أفهمه. إلا أنّني نادراً ماتمكنت من متابعة الحديث المتبادل بين الشيخ وحاشيته. ولم يكن ذلك نتيجة أن جزءا من السؤال كان همساً، بل بسبب اللغة المليئة بالتلميحات وبالأشارات التي لاتعني شيئاً للزائر، والتي كان يستخدمها للتفاهم المتبادل مع أتباعه.
كان رجال الحاشية يجيئون ويذهبون. وكان العمل التجاري، الذي أصبحت قيمته فيما بعد بمئات ملايين الجنيهات، يولد بهزّة رأس أو بغمزة فالإشارات والألغاز اللفظية التي تستخدم في قاعات المزادات، تبدو متواضعة وبطيئة مقارنة بطريقة تصريف الأمور المالية والرسمية في بلاط الشيخ راشد. ولذا كان العاجزون عن متابعتها يسقطون، لأنّ البقاء هنا كان للأسرع والأذكى والأوسع خيالاً.
لقد شاهدت الشيخ راشد خلال اجتماعات مغلقة مع بعض رعاياه بشأن مواضيع تهمه ويراها ضرورية. فأخذ أحد الموجودين، وكان معروفاً بفهمه البطئ، يتحدث بلهجة رنانة.. وبعد أربع دقائق رفع الشيخ راشد عينيه إلى السماء، كما لوكان يبحث عن النجدة. كانت عيناه لحظتها تلمعان، وكان السأم يرتسم على ملامحه، ثم ما لبث أن مسح وجهة بيديه وكأنه يقول - أعاننا الله -.
لكنه لم يكن أبداً يخرج عن صمته، حتى يقول الجميع كل مالديهم، وعندها كان يبدو عليه الارتياح الشديد، ثم يتحدث بإيجاز وبصورة مباشرة، مختتماً الموضوع. أمّا اذا شعر بأن المناسبة مزعجة، فإنه كان يوعز لأحد الحاضرين بأنّ ينوب عنه في الحديث. وكان كلامه الختامي من النوع القاطع، وبعدها كان يخرج مسرعاً من الغرفة، قبل أن يدرك أحد ماحدث. فهذا عمل وهكذا كان يجري تصريف الأعمال في دبي.
 

عشاء السيدة روزي



تلقّى (الوالد) قبل أيّام دعوة على العشاء من قبل السيدة "روزي" التي
تسكن في منطقة "ساكس"، ودقّت الدعوة ناقوساً من الذكرى يعود لحكاية جرت قبل قرابة عقود أربعة، فلقد سبق لها دعوة الوالد في مناسبة صار يُردّدها كلما وجد سبيلاً إلى ذلك، كان ذلك في السبعينات من القرن الماضي.
فلقد سألت السيد "روزي" الوالد عمّن سيأتي معه على دعوة العشاء، فنظر حوله ولم يجد سوى صديقه عبد الرحيم المحمود، فقال لها أنا وعبد الرحيم
فرحّبت بمجيئهما المرتقب.
وفي اليوم المحدّد للدعوة، اتصل الوالد بها وأخبرها عن شخص ثالث ألمّ بهم دون سابق إنذار سيشاركهما الحضور.
فارتبكت السيدة روزي وتلعثمت ولم تجد ما تقوله.
وعندما وصل الوالد ورفاقه إلى منزل "روزي"
وزوجها وجدهما في غاية الإرباك والتوتّر.
فسألهما عن سبب ذلك، فقالت بسرعة وكأنها أعدّت للجواب طيلة اليوم: إنّه بسبب ضيفك الثالث الذي لم تخبرنا عن مجيئه إلا بعد أن أنهينا تحضيراتنا، فلقد أعددنا عشاء لخمسة أشخاص واشتريت خمسة قطع من شرائح اللحم، فمن سيكون مستعدا للتخلي عن شريحة لحمه من أجل ضيفك؟.
كان الوالد يردّد الحكاية دائما للدلالة على طريقة الإنكليز في مواجهة حالات طارئة كهذه لم يجعلوها في عداد حساباتهم الصارمة.
وفي هذه المرة وقبل حلول يوم الدعوة سألت السيدة روزي الوالد: كم عدد الضيوف الذين ستحضرهم معك؟.
فقال الوالد وهو يضحك ويستعيد حكاية أصبح الآن عمرها أربعين سنة: خمسة أشخاص.
ثم استدرك وقال وهو لا يزال يضحك: وهذا عدد نهائي يا سيدة روزي.
وعندما وصل الوالد وجدها أعدّت مائدة عامرة تفيض على طاقة اثني عشر شخصاً، فقال لها بعد أن فرغوا من تناول وجبة الطعام: لما كلّ هذا الإسراف يا "روزي"؟
فقالت على الفور: لقد تعلمنا منكم أيها البدو.

Friday, 6 May 2016

حفيدة أوريكا


لصباحين على التوالي، جلست قبالتي صبية جرمانية، مليحة، مع جدّتها، قلت في نفسي: الآن علمت كيف كان "كانوفا" يصبّ تماثيله، كانت كمصباح راهب متبتل،
حاولت أن أحزر عمرها
فشعرت ببعض التيه، ولم أتيقّن إن كانت ابنة 13 سنة أم 23، فليس سوى الحدس من يحسم أمراً كهذا، بيد أنني تذكرت حكاية صديقٍ لي، عندما كنا ندرس في "لوس أنجلوس" فلقد أقلّ طالبة بسيارته إلى بيتها من باب الشهامة، وصادف أن رأته أُمها وهو ينزلها بباب الدار، فأبلغت الشرطة على الفور، بأنّ رجلاً كث اللحية خطف ابنتها القاصر بسيارته.
فما كان منهم إلا أن قبضوا عليه، وشرعوا يحققون معه كما لو كان من عتاة المجرمين،
ثم أدخلوه اختبارات عدة، واحداً تلو الآخر، حتى شعر أنّالأمر برمّته لا نهاية له، فأضمر أن يفعل شيئا من أجل نفسه
وما أن عرضوا عليه فتيات من أعمار مختلفة، حتى حدس أنّ بوسعه القبض على نجاته بيد من حديد، طلبوا منه تخمين أعمارهن
ولم يكن أمامه لينجو من هذا الفخّ إلا أن يستدرك بحنكته وحدسه فبدأ بتضليلهم بمعلوماته عن أعمارهن، فإذا عرضت عليه فتاة بعمر العشرين ضاعف عمرها، وإذا عرضت عليه امرأة بحبل من الأحفاد قال إنها لم تبلغ العشرين بعد، وإذا عرضوا عليه فتاة في الثالثة عشر، قال أنها في الثلاثين، وربما لو وجد الأمر ممكنا لسألهم أين تخفي أولادها.
عند ذاك، رأوا أن يطلقوا الرجل ذي اللحية على أن لا يخرج قبل أن يوقّع التماساً، وتعهّداً، أن لا يقل القاصرات ولا الأمهات لأن الأمر سيّان عنده.
أمعنت النظر في ملامح الفتاة الألمانية،
وتذكرت جوته، وقلت لا شكّ أن "أوريكا" التي هام بها العجوز جوته والذي كان قد بلغ الثانية والسبعين من عمره، عندما عرض عليها الزواج به فرفضت، والذي راح يتوّسط عند الأمير ليثنيها عن القرار كانت هي الجدة التي تحدّرت منها هذه الحسناء،
حدّقتُ ثانية في وجه جدتها الذي ضرّسته السنوات، ووجه الفتاة الذي يضجّ بالحياة والفتنة، كان وجه الصبية يشرق بالحسن، بينما كان الحسن يغرب في الجدة
، كان في الأولى بشير ميلاد وفي الثانية نذير موت، زهرة تتفتّح وأخرى تذوي،
فقلت في نفسي، هل يكون مآل هذا الربيع إلى ذاك الخريف،
لعلّها مفارقة ستجعل العجوز جوته يغيّر رأيه بالتأكيد.

أن تحيا أو تموت عشقاً



أنا في "جنوه"، على ساحلها اللازوردي، أبحثُ عن ذهبية جدّف فيها اثنا عشر ملاحاً، رَسَتْ هُنا قبل ثلاثة قرون، وأتطلّع لتناولِ فنجان قهوة مع الليدي "ماري وورتلي مونتاجو" ألمع الإنجليزيات في جِيلها.
أُغرم بها الشاعر "الكسندر بوب" وخاطبها قائلاً:
إجعلي الرجال يتلقون
على يد حواء ثانية ذكية
معرفة الخير والشر.
ولكن إذا كانت حواء الأولى
قد نالت عقاباً صارماً
لأنها لم تقطف غير تفاحة واحدة،
فأي عقاب جديد
يقضي به عليك،
يا من سرقت الشجرة كلها بعد أن تذوّقت حلاوتها.
كم أوجعت "ماري" بسهامها عشّاق زمانها، وانتهت هنا في "جنوه" محطمةً كزورقٍ عتيقٍ بعد حُب غير متكافئ مع نيزك إيطالي اخترق فلكها وغير مساره. كان في الرابعة والعشرين، وكانت في السابعة والأربعين عندما كتبت إليه:
"لم أعد أعرف بأيّ طريقةٍ أكتبُ إليك.. فمشاعري أقوى ممّا ينبغي، وليس في طاقتي أن أفسرها ولا أن أخفيها. فلِكَي تغتفر لي رسائلي يحب أن تجيش في صدرك حماسة كحماستي. وإنّني لأرى كل ما في هذا من حماقة دون أيّ أملٍ في إصلاح نفسي، فمجرد فكرة مشاهدتك تمنحني نشوة تتخطّفني، فماذا جرى لتلك اللامبالاة التي صنعت مجد أيامي الماضية وهدوءها؟ لقد فقدتها إلى الأبد، ولو أنّ هذا الغرام المشبوب شفى لما رأيت أمامي غير الملل القاتل. فاغفر هذا الشطط الذي كنت السبب فيه، وتعال لتراني".
كان "فرانتشسكو" الجاروتي هذا جميلاً، ذكياً، شاباً. وكانت ترتعد حين يخطر لها في 1736م أنها في هذه السن.
وفي رسالة أخرى كتبت تقول:
"ما أجبن الإنسان حين يحب" أخشى أن أسيء إليك بإرسالي هذا الخطاب حتى ولو كان قصدي أن أسُرُّك. والحق أنّني مجنونة في كل أمر يتصل بك، حتى أنّني لست واثقة من خواطري .. كل ما هو مؤكدٌ أنّني سأحبك ما حييت، برغم نزوتك وتعقلي.
ولم يرد "فرانتشسكو" على هذه الرسالة، ولا على ثانية، ولا ثالثة، رغم تهديدها بالانتحار. 
كنتُ أسيرُ على ضفاف ميناء في "جنوه" وأُحدّثُ صاحبي قائلاً: في إيطاليا إمّا أنْ تحيا أو أنْ تموت عشقاً. 

Thursday, 5 May 2016

إبّشروا بالخير لي جيتوا وديمه



كانت البيوتات التي تستقبل العفاة عند دخولهم إلى أبوظبي، إمّا للشيوخ، أو للعتيبات، أو بيت الشيخ حامد بن بطي.
قال الوالد -ولم يكن مهَدي المغربي من المناصير - ولكنّه كان مسافرا في ركبهم حين أقبلوا قاصدين بيت الشيخة وديمة بنت بطي خالة الشيخ زايد بن سلطان وزوجة بطي بن محمد بن خلفون، عندما حثّهم الشاعر على ضرب كرام الإبل؛ لتحملهم إلى الشيخة (وديمه) وعلى ألاّ يمكثوا للمقيل في المقطع دون طائل، قال:
إضربوها بالعصا لو هي كريمة ما لها مقيلن ورا المقطع حسايف
شيب عيني يوم دبّر في الستيمه والبحر من دونها سوّى حضايب
هاف قلبي مثل عيدان الهشيمه ان سرى وان هبّ نسناس الهبايب
قال سعيد معقّباً: العيدان من عود، والعود يبلى ويتهشّم من شدّة حرارة الشمس، وكانت لــ (وديمة) خادمة تسمّى (حليمة)، أصابتها عدوى كرم سيّدتها، وإيّاها يعني المهدي:
والله يا سفّن بتاتيبه حليمه عند هلنا ما لقينا له وصايف
قال الوالد: كانت وديمه كريمة أكرم من الذاريات، ولم يكن لديها ما
تدّخره، فكانت إذا ألمّ بها الضيوف ترهن بعض مالها من صوغ؛ لقاء مال تكرم به وفادتهم، فقال العم سعيد:
(أبشروا بالخير لي ييتوا وديمه) ، وأضاف أنّ زوجها بطي بن عمير كريم -كذلك- كرم الذاريات والكرم كالمرض المعدي.
قال الوالد: ولقد حفظ المناصير لوديمه صنيعها، فسمّوا عليها وديمة بنت حمد المنصوري، فجاءت كريمة أكرم من الذاريات، ولقد زرنا ابنها محمد بن علي بن عفصان مهنئين بعيد الأضحى - يوم أمس- وهو صديقٌ مقرّب من الشيخ خليفة بن زايد، وقمنا بمهاتفتها بمناسبة هذه الزيارة، وتهنئتها بعيد الأضحى المبارك.
ثمّ سأل الشيخ هزّاع بن خليفة بن سعيد بن شخبوط، الوالد، إن كان جدّه شخبوط قد تعلّم في الصغر أو لمّا كبر؟ ، فردّ الوالد على الفور، بأن جدّه الشيخ شخبوط كان يتلّقى الدروس على يد معلّم اسمه (بالخياز)، وكان من المنتظمين معه في الدراسة الوالد خليفة بن أحمد، وجامع، الذي
كان على استعداد لمصارعة أيّ من زملائه، ولو من الشيوخ أنفسهم.
وكنت قد سألتُ العم سعيد عن الأغنية التي كان يغنّيها للشيخ هزّاع بن سلطان - رحمه الله - عندما استيقظت وديمه، وخادمتها حليمة، والشاعر مهدي وقصيدته:
هل لكم في الخير يا سيرة وديمه في السفن ولاّ على ظهور الركايب
قال الوالد: اسمها موزه الهادومه، معلمة العم سعيد بن أحمد، وكانوا يأخذون دروساً، قرب سدرة عامرةٍ مغرية الثمر، ما أن تمتد أصابعهم إلى نبقها (نبجها) حتّى يأتيهم صوت (أم عتيق نيلى) مزلزلاً مرعداً محذراً، من لمس الثمر والسدرة. - قال الوالد - باقية إلى اليوم في مدينة العين، ومحاطةٌ بسياج يحميها.
قال العمّ سعيد: طلب منّي الشيخ هزّاع يوماً أن أكتب له رسالة وكنت كما قال الشاعر:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنّني عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد
فصرتُ أكتب، وهو يملي، إلى أن فرغ فلمّا انتهيت من الكتابة هالني كيف انتهت سطورها الغير منتظمة، فأنا لم أعتد أن أكتب في صفحة بلا سطور، فكانت كتابتي تأخذ شكل سطور دائريّة يبدأ السطر مستقيماً وينتهي في أعلى الصفحة، ولكنّي تمكّنت من وضع الرسالة في الظرف وأحكمت إغلاقها على عجل قبل .. أن يتمكّن هزّاع من رؤيتها.


Tuesday, 3 May 2016

جنيفرا التي رأيت

 
وجهها شاحبٌ، ومستدير ومكتئب، إنّه يشّع باتجاه شجيرات العرعر القاتمة، مثل قمر يبزغ من بين الغمائم، وحقاً يلمع الضوء الذي يقع على الخلفية الأبعد، فوق المياة، ويمسُّ الأشجار الرقيقة التي تبدو مثل الأطياف، والذي قد يكون هو ضوء القمر أيضاً إذ أنّه من المفترض أنَّ الوقت الذي تظهر فيه اللوحة هو (الغسق).
يظهر على جفني السيدة الجالسة التثاقل، وعلى نظرتها التجريد، ومهما كان ما تنظر إليه هاتان العينان الجميلتان، فلا يبدو أنّ بمقدورهما الرؤية.
إنّها تنظر إلى بعيد لا يمكن معرفة مدى بعده.
إنّها- كما يجوز القول- على بعد أميال.
شعرها، أشقر أو كستنائي اللون، وحيث تم تصفيفه بعناية باتجاه الرأس، يبدو ناعماً ولامعاً- وفي هذا إشارة لاستخدامها زيتاً معطراً لتثبيت الشعر- ولكنّه يشكل سلسلة من الحلقات والدوائر الصغيرة في محيط وجهها.
وفي وسط هذا السكون السحري للوحة تمنحنا تلك التجعيدات الدائرية الملتفة والمبرومة إحساساً مباغتاً بالتحرر من القيود والإلقاء بها بعيداً.
إنها دفعة من الحيوية في غمرة طابع اللوحة الجامد إلى حدٍ يكاد يصل إلى الكبت.
في يناير 1474 ، وفي عمر السادسة عشر، تزوجت "جنيفرا" من تاجر أقمشة يدعى "لويجي دي بيرناردو نيكوليني".
وقد كان هنالك اعتقاد بأنَّ لوحة "ليوناردو" كانت بمناسبة الزفاف، وقد جاء تكليفه بها من قبل زوجها، ولكن "جنيفرا" ارتبطت وبشكل لا يخفى على أحد بالدبلوماسي الفينيسي اللامع "بيرناردو بيمبو"، وتشير أحد الأدلة الحديثة إلى أنّه كان هو من كلّف "ليوناردو" برسمها.
وقد وصل "بيمبو" إلى فلورنسا كسفير من مدينة البندقية، وفي يناير 1475م، كان في بدايات أربعينيات عمره، وله زوجة وولد في الثانية من العمر، وعشيقة وابن منها في مكان آخر من حياته، ولكنه سريعاً ما ألقى بنفسه في علاقة أفلاطونية علنية مع "جنيفرا".
ولقد ماتت، أرملة بلا أطفال حوالي عام 1520.
إنّها أول لوحة لليوناردو يشعر فيها المرء بالنظر إلى ما وراء اللوحة، كما ينظر من خلف نافذةٍ ما إلى أحد الأماكن الساحرة.
إنّها تخبرنا عن العالم حينما يُرى بنوع من النشوة.
فللنعومة المرمرية لوجه جنيفرا دور في هذه السمة الحالمة: إنّها ليست من البشر-تماماً.
كان هذا هو التأثير المنشود- فقد تم صقل سطح طلاء الوجه بيد "ليوناردو" نفسه.