Thursday, 23 June 2016

غَزَالتان مِنْ أًرض المَاوري


 
كانوا في «بريستول« عندما شاهدوا إعلاناً عن تذاكر ذهاب وإيابٍ إلى «نيوزيلاندا»، وكنت مع والدي نتعقّب أزهار التولب في «الريجنت» وقد أينعت، وأصبحت قادرة على أن تكون سببا في حروب «تولب» من نوع آخر.
حدّثني والدي بأنّ السفر كان فرصة لإدراك المعمور من الأرض بحسب إصطلاح الجغرافيين القدامى.
نيوزلندا .. يا له من سفرٍ بدأت فكرته بإعلان قيمته 150 جنيهاً، فقال والدي لرفيقيه: إذا كان الأمر كذلك فأنا من يدعوكم إلى أرض «الماوري».
ذهب الجمع السعيد إلى وكالات السفر، ولكنها كانت محجوزة لنحو شهرٍ كامل، ثم اهتدوا إلى فتاة لطيفة في «البان أميركان»، وسألوها أن تجد لهم مكاناً في الطائرة.. فقالت: هناك طائرة واحدة ستحملكم إلى «لوس انجلوس»، ومن هناك ستجدون دون عناء طائرة تقلّكم إلى «نيوزيلاندا».
وفي اليوم التالي، كانوا على متن الطائرة يكابدون عناء السفر في الدرجة الثالثة، إحدى عشرة ساعة إلى «لوس أنجلوس»، وعندما بلغوها أخيراً هبطوا من الطائرة سُكارَى وماهم بِسُكارىَ.
كان أمامهم شرطيّ قدماه ثابتتان في الأرض ورأسه في السماء، يُجيل نظراته في الجمع الغفير الذي اصطفّ أمامه، وقد ضاقت بهم الصالة، ومن دون الجميع أشار إلى والدي وسأله أن يفرغ ما بحقائبه من أجل التفتيش!.
قال والدي للشرطي: هل لي بكلمة قبل أن تبدأ التفتيش؟
فقال الشرطي: بكل تأكيد يا سيدي..
فقال والدي - وقد شعر أن للعمالقة قلوباً طيبةً أحيانا- : أنا رجلٌ ديبلوماسي، وأعملُ وزيراً لخارجية دولة الإمارات، وهذه الأوراق تثبت ذلك...
فاعتذر العملاق، وتابع والدي طريقه.
ومن «لوس أنجلوس» ذهبوا إلى «هاييتي»، ومنها - بعد خمس ساعات- حطّوا الرحال في أرض الماوري.
كان الإرهاق قد بلغ منهم مبلغاً عظيماً، وكانت الفتاتان بانتظارهم في المطار؛ وقادتا الجميع إلى الفندق، وهناك قال والدي: دعوني وشأني في غرفتي، ولا يوقظني أحد حتى الغد، ثم هجرهم هجراً جميلاً، وذهب ليعقد حلفاً مع «مورفيوس« ملك الأحلام يوماً كاملاً.
في اليوم التالي، قادتهما الفتاتان إلى منزلهما العائلي في أرياف «تتناسل» بلا توقّف، وهناك شاهد الوالد مزرعة يملكها والدي إحداهن، وفيها قرابة الأربعة آلاف رأس غنم، عدا أعداد كبيرة من البقر ترعى في أرض العائلة، وكانت «نيوزلندا« تمنح من يقصدها لغرض الإقامة والعمل أرضاً وماشية.
أراد الوالد أن يطيب له المقام في «نيوزيلندا» بالتعرّف إليها عن قرب، وهو أمر تتطلبه طبيعة عمله فضلاً عن شخصيته التي تنحو إلى الإحاطة بالاشياء ومعرفة دقائقها.
وهكذا، ذهب إلى عاصمة نيوزيلندا وثاني أكبر مدنها (ولينغتون) والتي تقع في جنوب الجزيرة الشمالية، أو (أرض الغيمة البيضاء الطويلة) بحسب تسمية السكان المحليين من «الماوري».
كما لم يفوّت الفرصة على نفسه بزيارة السخّانات الدافئة، «ذا جيسر» بحرارتها البالغة 64 درجة مئوية، ويعود السبب في ارتفاع حرارة القشرة الأرضية في هذه المنطقة إلى (هشاشتها) مما يجعل الدخان يتكاثف على هيئة حزمة بيضاء كبيرة.
ومن «نيوزيلندا» غادر الوالد إلى استراليا، ولقد شعر بفتنتها التي لم تتمكن أيام السفر المعدودة من جعله يقاوم الرغبة في زيارتها مرة أخرى، وهذا ما حدث بالفعل حيث زارها في العام التالي أي في (1973).
وفيها قصد التكوين الصخري الذي يُطلق عليه (أولورو) أي الحصاة الكبيرة بلغة سكانها الأصليين، ويقع وسط استراليا، وهي بقايا صخرية عزلتها تآكلات الجبال، فشكّلت وحدة متماسكة من الأحجار الرملية المعروفة باسم (آركوس)، ويصل ارتفاعها إلى 335 متراً، فيما يبلغ محيطها 8 كيلو مترات.
ولقد حدّثني والدي عما شهده بنفسه من فروقات ظاهرة بين الأبورجينال (سكان استراليا) والماوري، فلقد فاجأه أن يجد «الأبورجينال» في حال مزرية، وليس لهم من الحقوق إلا ما يكفل القدرة على بقائهم في جماعات قليلة ومنفردة لا تملك لنفسها النفع ولا دفع الضرر.
وهو الأمر الذي لم يجده في «نيوزيلاند»، حيث كان الماوري يذوبون في الوافديين الجدد ويصبحون من بعضهم، بينما كان الأبورجينال يذوبون من القارة الشاسعة وليس فيها.