Saturday, 24 September 2016

سهيل وشقيقتاه


قسم العرب المجّرة إلى شمال وجنوب، وأطلقوا على نجوم الجزء الشمالي إسم الشّاميّة، وعلى نجوم الجزء الجنوبي اليمانيّة، وزعموا أن سهيلا والشعريين كانت مجتمعة، فانحدر سهيل وجاز خط المجرّة جنوبا فصار يمانيّا وتبعته الشعرى اليمانيّة ولقّبت بالعبور وأمّا الشعرى الشاميّة فأقامت وبكت لفقد سهيل حتّى غمصت (أي ضعف بصرها) فلقّبت بالغميصاء.
والشعرى اليمانيّة هي أسطع نجوم السماء بعد الشمس والقمر، وهي النجم الوحيد الذي ذكر صريحا في القرآن في الآية الكريمة : "وإنّه هو ربّ الشعرى"
ورب النيّرين، أي ربّ الشعرى اليمانيّة والشمس والقمر.
والشعرى اليمانيّة من النجوم الثنائية (أي نجمان يدوران على بعضهما البعض)، وهي في كوكبة الكلب الأكبر. و الشعرى الشّاميّة سابع أسطع نجوم السماء، من النجوم الثنائية كذلك وهي في كوكبة الكلب الأصغر.
وأما سهيل فعملاق أبيض،وهو ثاني أسطع نجوم السماء بعد الشعرى اليمانيّة مقيم في الجنوب من الأفق، إذا طلع في أواخر الصيف، عنى ظهوره بداية التغيّر الفصليّ وانتهاء ريح السموم، وطلوعه في الجزيرة العربيّة بهيّ. يقول الساجع: طلع سهيل، وبرد الليل، وللفصيل الويل. والفصيل ولد النّاقة، وسمّي كذلك لفصله عن أمّه.
فلا يزال للفصيل في أمه حظ حتى يطلع سهيل. فإذا طلع أخذ أحدهم بأُذن الفصيل ثم استقبل به مطلع سهيل يريه إياه يحلف أنه لا يرضع بعد يومه قطرةً، ويفصله من أمه. وأهل البادية يعظّمون الفِصال عند طلوع سهيل.وقالوا النظر إلى سهيل يشفي من البرسام وهو بالسريانيّة مرض بالصدر، ولذلك قال مالك بن الريب لمّا شعر بدنوّ أجله في قصيدة رثى بها نفسه :
أقول لأصحابي ارفعوني فإنني يَقَر بعيني أن سهيل بدا ليا
وللأعمى التطيلي قصيدة جاء فيها:
وطالَ ثواءُ الفرقدين بِغِبْطَةٍ أما علما أَن سوفَ يَفْترِقان
وزايلَ بين الشعريين مُصَرِّفٌ من الدهر لا وانٍ ولا مُتَوان
فإن تذهبِ الشّعْرى العبورُ لشانها فإن الغُميصا في بَقِيّةِ شان
وجُن سهيلٌ بالثريَّا جنونَهُ ولكنْ سلاهُ كيفَ يلتقيان
وذلك لأن الثريّا شاميّة، وهي في كوكبة الثور.
ومن أساطير العرب: أن سهيلاً طلع بأرضِ العراق وقابل الزهرة، فضحكت إليه وقالت: ألسْتَ الذي يقال فيك إنك كنت عشّاراً (أي محصّل ضرائب) فمسخك الله شهاباً، عقوبة لك؟ فأجابها وقال: ليس كل ما يقوله النّاس حقاً، فقد قالوا فيك: إنك كنتِ امرأة فاجرة فمسخك الله كوكباً مضيئاً.
ويُسمى سهيل كذلك كوكبُ الخرقاء. لقول الشاعر:
إذا كوكبُ الخرقاء لاحَ بسحرِة سهيل أذاعتْ غزلها في القرائب
يريد أنَّ المرأة الخرقاء ( التي لا تحسن عملا إمّا من ترفّه أو عدم قابليّة) لا تشتغل بالغزل في الصيف بل تتمادى على التسويف والتفريط، حتى إذا طلع سهيل وذلك حين يقبل البرد قامت إلى قرائبها ليعنها، وجعلت تفرق بينهن غزلها. وبسبب هذه الملابسة سمي سهيل كوكب الخرقاء.
وفي مجرى سهيل نجمان يقال لهما: حضار والوزن وهما في كوكبة الحمامة يطلعان قبل سهيل. ومن كلامهم حضار والوزن مُحلِفان. وذلك أنه إذا طلع أحدهما فرآه الرائي قال لصاحبه: طلع سهيل فيقول صاحبه: ليس بسهيل فيتماريان حتى يحلفا، فلا بد من حنثِ أحدهما، وإذا كان الشيء يعرض فيه الشك كثيراً قيل: إنه لمحلف ومحنث.
قال أبو الطيّب المتنبي يشبّه نفسه بسهيل مخاطبا محمد بن إسحاق التنوخي:
وَإِنَّ مِنَ العَجائِبِ أَن تَراني فَتَعدِلَ بي أَقَلَّ مِنَ الهَباءِ
وَتُنكِرَ مَوتَهُم وَأَنا سُهَيلٌ طَلَعتُ بِمَوتِ أَولادِ الزِناءِ
أي إذا طلع سهيل وقع الوباء في البهائم، فجعل نفسه سُهيلا، وجعل أعداءه بهائم يموتون حسداً له، وجعلهم أولاد زنا كالبهائم لا أصل لهم.
رحم الله أبا محسّد لو أنّه علم ما نعلمه اليوم، واستقلّ ناقته الريح وسار بسرعة الضوء (أي 300 ألف كيلو في الثانية) لبلغ وسفينته الشعرى اليمانية بعد ثمان سنوات من السفر ولأشرف على الشعرى الشاميّة بعد ذلك بثلاث سنوات أخرى ولاحتاج إلى ثلاثمائة سنة ليبلغ سهيلا وازداد عليها تسعا.


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=159