Monday, March 20, 2017

سعدُ الأخبية


"سعدُ الأخبية" مع رسوم حصرية تنشر لأول مرة من منازل القمر
ندعوكم للتعرف معنا على منزلة "سعدُ الأخبية"، من مشروعنا الجديد #منازل_القمر للشاعر والمفكر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ،
وننشر معها لأول مرة رسوم حصرية من إصدار القرية الإلكترونية، وهي جزء من الكتاب الجديد للشاعر محمد أحمد السويدي (منازل القمر)، والذي سيصدر قريبا.
ونعرض هنا تباعا ًالثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"سعدُ الأخبية" أول نوء "الحميمين"، وآخر "السُّعود" الأربعة التي ينزلها القمر، وآخر "خمسينيَّة الشتاء"، وثاني "منازل فصل الربيع"، والمنزلة 11 من "المنازل اليمانيَّة"، وطالعه في الحادي والعشرين من "آذار"( مارس)، ومدَّته ثلاثة عشر يومًا.
وهو أربعة نجوم تُمَثِّلُهُ العرب بِرِجْلِ بطَّة. وسمي النَّوءُ بـ"الحميمين" لبداية دخول الحرِّ (القيظ) فيه. والحميم في اللغة هو القيظ، والماء الحار، والمطر يأتي بعد اشتداد الحر. وجمعه أحماء.
وتطلق عليه العامَّة اسم "حميم أول"، لتمييزه عن" الحميم الثاني وهو "الفَرْغ المقدم". ونوء الحميمين صفة للأيامِ التي تقع بين نوء" العقارب"، ونوء "الذراعين". ونوؤُه ليلةٌ، وهو غير محمود.
وكانت الأقوام القديمة عرفت نجوم هذا البرج وربطته بالماء، فتصورها الكلدانيون على هيئة رجل يحمل على كتفه جرَّة يهطل منها الماء . وتصورها العرب على هيئة ساق يحمل دِلْوَيْن على كتفيه، بينما أطلق عليها اليونانيون "ساكب الماء". وتصورها قدامى المصريين دلوًا كبيرًا تتجمع فيه المياه وعند انسكابها يفيض النيل.
وفي العلوم الفلكية الحديثة، ما زال يطلق على أحد النجوم الأربعة اسم "سعد الأخبية" (Sadalachbia) أو "جاما الدَّلو"، وهو نجم ثنائي طيفي أبيض في "كوكبة الدَّلو"، "قدره الظَّاهري" 3.84 و"زمرته الطَّيفيَّة" A0 V، و"قدره المطلق" 1.5 +؛ أي يفوق تألُّقه الشَّمس بـ 20 ضعفًا. ويبعد 164 سنة ضوئيَّة عن الأرض. ومن بين نجوم "سعد الأخبية" الأربعة يطلُّ "سعد التَّاجر" (زيتا اكواري) بوجه تضرِّجه حمرة، وهو منظومة ثلاثيَّة تتكوَّن من نجمين متقاربين من فئة النجوم دون العملاقة. يبلغ القدر الظَّاهري الكلِّي لعنصري المنظومة الرئيسين 3.66، وزمرتهما الطَّيفيَّة F2، ويفوق تألُّقهما الشَّمس بـ 7.3 و 6.1 ضعفًا على التوالي، وتبلغ المسافة بينهما 100 وحدة فلكيَّة (الوحدة الفلكيَّة تساوي بعد الأرض عن الشَّمس). وهما يبعدان 92 سنة ضوئيَّة عن الأرض.
وبطلوع سعد ألأخبية تحصل تغيُّرات واضحة في الطبيعة والمناخ، فقيل "إنَّما سمِّي "سعد الأخبية" لأنه يطلع قبل الدفء فيخرج من الهوام ما كان مختبئًا". ونجد لذلك تمثيلًا في قول الشاعر:
قد جاءَ سَعْدٌ مُوعِدًا بِشَرِّهِ مخبرةٌ جنودُه بحرِّه
وذلك أنَّ العرب تُكَنِّي عن الحشرات ودوابِّ الأرض بـ"جنود سعد".
وقوله "موعدًا بشرِّه"، يريد بالحرِّ. وقوله "مخبرة جنوده" يعني الهوام التي تظهر، فيكون ظهورها إيذانًا بإقبال الحرِّ.
وفي "سعد الأخبية" تغرس الأشجار، ويتساوى الليل والنهار، ويتمُّ تأبير النخل، وتبذر فيه البذور الصَّيفيَّة، ويُزرع من الخضار الفلفل والخس والقرعيات، والباميا، والبقدونس، والذرة البيضاء، والبطيخ واللوبياء، والقطن ، والنعناع، وأضرابها، ومن الفاكهة التين، والرُّمَّان، والعنب، والحمضيات .
وفي أوائله، تقبل طيور الصيف وتُعرف عند العوام بـ"الخواضير"، وواحدها خاضور، ويهاجر فيه الكرك الصغير والإوزُّ الربيعي.
وفي "الإمارات" تزهر طائفة من النباتات في منزلة "سعد الأخبية" منها: "شوك الضَّب" الذي يؤثر الوديان والجبال، و"الصبار"، و"الآرا" (آرى)، و"الحبن" (الدفلى) واسمها يطلق للواحد والجماعة، و"الحرمل"، و"الأشخَر" الذي يحنُّ إلى الصحراء، و"الخناصر"، و"الكحل" وآلته تسمَّى المكحال (المِيلُ) والمكحلة، و"الرَّمرام"، و"العلَّان"، و"الشَّفلح" (كَبَر) الكريم في الطبِّ، و"المخيسة"، و"الصُّفَيْر" اسم على مسمَّى، و"لحية الشَّايب"، و"التربة"، و"المشموم"، و"الكِسْكاس" المدَّثِّر بقطنه، و"شوك الجمل"، و"حوا الغزال"، و"المهتدي"، و"العرفج" الطيِّب الذكر والنشر، و"العضيدة"، و"الحباب" (عظلم)، و"الخزمة"، و"علقة بيضة"، و"عشبة أم سالم"، و"الحنظل" الذي تغنَّاه عنترة، وغيرها من النباتات.
ويعتقد العرب أنَّ الزَّواج في"سعد الأخبية" محمود. يقول ساجع العرب: "إذا طلع "سعد الأخبية"، دُهنت الأسقيهْ، ونزلت الأحويةْ، وتجاورت الأبنية". وإنما "تدهن الأسقية" (من السقاء وهي القربة المصنوعة من الجلود)، لأنها تكون قد تيبَّست لتركهم الاستسقاء بها، فتُطلى في هذا الوقت لحاجتهم إليها، و"الأحوية" جمع حِواء، وهي ما اجتمع من بيوت الناس، وتكون من الحجارة والطين، لا من وبر وشعر. وقيل "إذا طلع السعد كثر الثعد"، و"الثعد"، ما لانَ من البُسْر.
قال ذو الرُّمَّة في بيان المراد من معنى المفردة:
إلى لَوائِحَ مِن أَطلالِ أَحوِيَةٍ كَأَنَّها خِلَلٌ مَوشِيَّةٌ قُشُبُ
والمراد كأنهم في وقت هذ النجم ينتقلون من مشتاهم ويتجاورون.
وجاء في "سعد الأخبية" شعر كثير كقول أبو الحسن الشريف الموسوي الطوسي:
أرى طارقًا عن سَعْدِ أخبيةٍ غدا بغير رجوع كفُّهُ متجمِّده
وليس يُرَى منه على بُعْده سوى رؤوسٍ تبدَّتْ من ثلاثةِ أَعمده
وقال الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي:
وجاء سعدٌ ذابحٌ وبُلعٌ على العَقِبْ
كأنَّ ذَا قوسٌ وذَا سهمٌ عَن القوسِ ذَهَبْ
وذو السُّعودِ نائبٌ عن ذابحٍ إذا غربْ
وبعد ذو أخبيةٍ خُنْسٍ قصيرات الطُّنُبْ
كجؤجؤِ البطَّةِ مَعْ مِنقارِها إذَا انْتَصَبْ
وقال أبو العلاء المعرِّي:
يا سَعْدَ أخْبِيَةِ الذينَ تَحَمَّلوا لمَّا رَكِبْتِ دُعيتِ سَعْدَ المَرْكَبِ
غادَرْتني كبَنَاتِ نَعْشٍ ثابتًا وجَعَلْتِ قلبيَ مِثْلَ قلْبِ العَقْرَبِ
وقال الصفاقسي:
حللتُ بدارِ القيروانِ بجَحْفَلٍ فَخِلْنا بُدُورَ الأُفْقِ حَلَّتْ مَع الشُّهْبِ
وفُسطاطُك الميمونُ حِينَ نَصَبتَهُ ظننَّا رِياضَ الزَّهْرِ في أخْضَرِ العُشْبِ
فسعدُ سُعودِ المُلْكِ أنْتَ وإنما خِباؤُك فِيها سَعْدُ أخْبِيَةٍ النُّصْبِ
وشرَّعْتَ أحْكامًا بها عُمَرِيَّةً فأصْبَحَ مِنْهَا الشّاءُ يَرْعَى مَعَ الذِّئْبِ
وقال ابن عربي:
وذابحها يُخَبِّرُهَا بما قدْ بدا في العِجْلِ من سرِّ الحُلِيِّ
فتبلعها السعودُ على شهودٍ من أخبيةٍ وأدلاءِ الشقيِّ
وقال إبراهيم الأحدب:
لقد قَدَحَتْ في المجدِ زَنْدُ فَخَارِهِ وقدْ جَلَّ في سَامي مَعَاليه عَنْ قَدْحِ
وما السُّحْبَ عمَّ السَّهْلَ والْحَزْنَ وَبْلُها تُحاكي النّدى مِنْ فَيْضِ كَفَّيه بِالسَّحِّ
هُوَ الْبَدْرُ لَمْ يعبأْ بما قالَ حَاسِدٌ وهلْ نالَ بدرُ التِّمِّ مَن كانَ ذَا نَحِّ
وسَعْدٌ عَدَاهُ سَعْدُ أخْبِيَةٍ غَدا زمانٌ عليهمْ سَعْدُهُ نالَ بالذَّبْحِ
وقال ابن نباتة المصري:
وليهنِكَ العامُ سَاعي العامِ مُنْشَرِحًا بِمُجْمَلِ الْيُمْنِ لم يَحْتَجْ لِشُرَّاحِ
عامٌ حَلَفْنا بِمَسْطورِ الثّلاثِ به بأنه عامُ إقْبالٍ وَأفْراحِ
لِلْمُلْتَجي لَكَ فيهِ سَعْدُ أخبيةٍ مِنَ الْأذى ولباغي البُعْدِ ذَبَّاحِ
أمَّا إخوان الصَّفا فجاء في كتابهم عند نزول القمر بـ"سعد الأخبية" قولهم: فاعملْ فيه نيرنجات العداوة والقطيعة والتفريق بين الاثنين، والسُّموم القاتلة وكل علاجٍ يؤدي إلى مضرة وفساد، ولا تزرعْ فيه ولا تَكتلْ غلَّتك، ولا تعملْ فيه الطلسمات، ولا تدعُ فيه الدعوة، ولا تعالِجْ، ولا تسافِرْ، ولا تختلط فيه بالملوك والأشراف والإخوان، ولا تدبِّر فيه الصَّنعة، ولا تلبسْ ثوبًا جديدًا، فمن لبسه سرق منه، ولا تتزوَّج، ولا تشترِ رقيقًا ولا دابة. ومن ولد فيه، ذكرًا كان أو أنثى ،كان مشؤومًا منحوسًا يموت عنه والده، ويكون متهتِّكًا، ويربيه الأبعدون، ويكون فاجرًا خبيثًا سيئ السِّيرة".
وكما أسبغ العرب على نجوم السَّماء وبروجها أسماءَهم، فبرج الدَّلو لدى الغرب هو "أكويريس" (ِِAquarius)، وهي كلمة من شَقَّين الأول بمعنى ماء، والثاني بمعنى حامل (ساقي)، وتحكي الأسطورة إنَّ الأمير "غانوميد" (Ganymede) ابن الملك "تروس" Tros أجمل شباب طروادة سلب لبَّ " زيوس" عندما أبصره يرعى أغنام والده في مرج فوق جبل "إيدا"، وكان الأمير صبيًّا دون الخامسة عشر من العمر، فأراد أن يتَّخذه عشيقًا وساقيًا، فتمثَّل "زيوس" في صورة نَسر عملاق، وخطف الغلام إلى جبل الأولمب، وهناك أصبح "غانوميد" السَّاقي الأثير لدى "زيوس" كلَّما تاقت نفسه إلى شراب. وعرفانًا منه للمنزلة التى حباه إيَّاها، حوَّله إلى برج في السَّماء، وحوَّل النَّسر الذي حمله إلى برج كذلك.

No comments:

Post a Comment