Sunday, 30 April 2017

لوبي (lobby)


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=586

جمعني حديث مع الأخ عبد الله العطية تذاكرنا فيه بعض الأفكار والقضايا، ثم قادنا الحديث "في القدرة على تشكيل المجموعات الضاغطة" إلى لفظة اللوبي (lobby)، وتاريخيتها ومتى أطلقت لأول مرة وما هو مجالها اللغوي والدلالي.
يرى الصديق عبد الله أن اللفظة أطلقت لاول مرة لتمثّل القدرة على التأثير في مختلف سياسات الدولة في أمريكا على مجلس أحد رؤسائها في الفندق حيث كان يقصده مجموعة من رجل الأعمال، فإذا سأل احدهم رجلا يريد أن يقصد الرئيس في مجلسه، فيجيبهم: إلى لوبي الرئيس
واللوبي مفردة إنجليزية تعني الرواق أو الردهة الأمامية في فندق أو الصالة والممر، وأخذت طابعا سياسيا للدلالة على المجموعات المنظمة والظاغطة والتي تعمل في التأثير على صناعة القرار لصالح جهة أو هيئة معينة وبطرق مختلفة.
كما تُطلق اللفظة على على الردهة الرئيسة في مجلس العموم في إنجلترا، وعلى ردهة مجلس الشيوخ الكبرى في الولايات المتحدة، حيث يتمكن الأعـضاء من مقابلة من يقصدهم، وحـيث تُعقَد الصـفقات وتدور فيها المناورات والمشاورات، وتبادل المصالح.
ويُعتقد أن المصطلح تبلور وأخذ دلالته الحالية لأول مرة في عام 1830 عندما بدأت مجموعات المصالح من جماعات ومنظمات بعضها ذو طابع وأطرٍ قانونية تمارس الضغط والتأثير على الكونغرس وحكومات الولايات.
حيث أن الأوقات المستقطعة التي تتخلل اجتماعات الكونغرس كانت تدفع كل مجموعة ممن اتفقت على رأي وموقف واحد باتخاذ زاوية أو ردهة معينة فصار يُطلق عليهم باللوبي الفلاني ممن تجانست طروحاتهم أثناء الاجتماع.
وهناك من يعود باللفظة إلى أصل عربي، من لفظة (الألب أو الإلب) التي تمنح في المعجم العربي معنى التجمّع على هدف أو قرار أو في مكان ما.
وردت اللفظة في حديث النبي محمد: إِنّ الناسَ كانوا علينا إِلْباً واحِداً.
ومن استعمالاتها الدارجة قولنا ألب ويؤلب أي جمع، وقولنا: فلان يؤلب الناس على فلان. أي يجمعهم ويحرّضهم.


Saturday, 29 April 2017

الرشا


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=583

ندعوكم للتعرف معنا على منزلة «الرشا» من مشروعنا الجديد #منازل_القمر للشاعر والمفكر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، ونعرض هنا تباعا ًالثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب.
الرِّشاء: 29 نيسان (أبريل) - 11 أيار (مايو)
"الرِّشَاء"، ثاني "الذِّراعين"، وخامس منزلة من منازل فصل الربيع، وآخر منازل القمر اليماني. طالعه في التاسع والعشرين من نيسان (أبريل)، ومدَّته ثلاثة عشر يومًا.
و"الرِّشاء" تعني لغةً: الحبل، وتسمَّى هذه المنزلة الحوت (السَّمكة) كذلك، وبطن الحوت، وقلب الحوت، وأمَّا "الذِّراعان" فكناية عن المطر الذي ينزل الأرض على قدر الذراع.
وفي العلوم الفلكيَّة الحديثة، وما أظهرته المراصد تبيَّن أنَّ نجم "الرِّشاء" (ِAlrisha) نجم ثنائي في كوكبة السمكتين (برج الحوت)، قدرهما الظاهري لكلٍّ من عنصري المنظومة على التوالي 5.23 و 4.33، وزمرتهما الطَّيفيَّة A2 و A3، كما أن كلًّا من العنصرين بدوره ثنائي طيفي، تقدَّر الدورة المداريَّة للمنظومة بـ 720 سنة، وسيبلغ النجمان أكثر اقتراب لهما من بعضهما البعض سنة 2060، ويبلغ القدر المطلق للمنظومة 0.09، أي 35 ضعف تألُّق الشَّمس، وتبعد (المنظومة) 139 سنة ضوئيَّة عن الأرض.
وفي الطبيعة والمناخ فإنَّ نوء "الرِّشاء" محمود يكثر فيه المطر، وفيه قوة فصل الربيع واستحكامه. ويستمرُّ موسم "البوارح"، وهي الرِّياح الشمالية الغربية، وفيه المطر "النيساني" الذي من خواصه، كما اعتقد العرب، انعقاد اللؤلؤ في الصدف. وفي هذه المنزلة، تهاجر طيور الصفاري (واحدته صفارة)، والخواضير وصغار الطيور، ويكثر فيه القُمري والكراكي (الغرانيق).
وفي منزلة "الرِّشاء"، يعتدل الجو ليلًا، أمَّا النهار فيميل إلى الحرارة، وفيه يختفي في شعاع الشمس عنقود "الثُّريَّا" النَّجمي عن الأبصار مدة 40 يومًا، وتسمَّى هذه المدة "كنَّة الثريا".
وتُغرس في طالع "الرِّشاء" فسائل النخيل وأفراخها، ويُجمع القِثَّاء والمشمش ويُشتار العسل (يجنى من خلاياه ومواضعه)، وتُسمَّد الأشجار مثنى، وتدلّى فيه قنيان (عذوق) النخيل بعد مرور ثمانية أسابيع من نهاية التلقيح. وتحبذ في هذه المنزلة زراعة البطيخ والسمسم والقطن والقرع وأضرابها.
وفي "الإمارات" تزهر طائفة من النباتات في منزلة "الرِّشاء" منها: "الهَرْم"، و"أبو شوكة"، و"الشكع"، و"البنفشة"، و"الحز" العشبة السحريَّة، و"الشرهام"، و"الطقيق"، و"العوسج" (صريم)، و"البنج" (سكران)، و"السراو" (مخيسة)، و"الطقيقة"، و"الخرمان"، و"الأراك" الذي تشبَّه به قدود الحسان، و"السدر" (النبق) الشجرة المباركة، و"الحمّيض"، و"الفريفرو"، و"الشليلة" المضيئة بالبنفسج، و"الحمرة"، و"السيداف" الذي يطلبه الذكور لإرضاء الإناث، و"الخبّيزة"، و"الظفرة"، و"ورد الجبل" (اليبل)، و"الغوَّيف" المتسلِّط على أشجار الغاف، و"النيلة"، و"الحلول" مطلق البطون، و"العشرج"، و"الجعيدة" (ريحانة)، و"الأسل" (سلي)، و"السَّبَط" الذي يحمل هويَّة أخرى باسم "الثمام"، و"الحباب" (عظلم)، وغيرها من النباتات.
والقلوب التي ينزلها القمر أربعة، هي: "قلب العقرب"، و"قلب الأسد"، و"قلب الثور"، و"قلب الحوت" (قلب السمكة). ومن أمثال العرب: "أتْبِع الدَّلو الرِّشاء".
قال زهير بن أبي سُلمى:
فشجّ به الأماعز وهي تهوي هويّ الدَّلو أسلمها الرِّشاء
وقال ساجع العرب: "إذا طلعت السَّمكةْ، نُصبت الشبكة، وأمكنت الحركةْ، وتعلَّقت بالثوب الحسكةْ. وطاب الزمان للَنسَكة".
"تعلّقت الحسكة"، يريد شوكة السعدان (نبات)، في إشارة إلى أن النبت اشتدَّ وقوي، فعلقت الحسكة بالثوب وغيره. و"نصبت الشباك" للطير في دلالة على كثرتها. و"طاب الزَّمان للنسكة"، يريد النسَّاك المتقللين الذين يسيحون في الأرض.
ويقال أيضًا: "إذا طلع الحوت، خرج الناس من البيوت".
قال ابن ماجد:
وَقَد بَدَا من بَعدِهِ الفرغَانِ مُرَبَّعَي الرَّسمِ بالعِيَانِ
لِكُلِّ فَرغ مِنهُمَا نَجمَانِ لَكِنَّمَا الأوَّلُ شَكلٌ ثاني
من بَعدِهِ الحوتُ يُسَمَّى بالرِّشا فَسَمِّهِ مِن ذَا وذاَ بِمَا تَشَا
قال علي بن محمد الكاتب:
والبدرُ كالملكِ الأَعلى وأنْجُمُهُ جنودُهُ ومباني قصره الفَلَكُ
والنهرُ من تحته مثلُ المجرةِ والـ رشاء يشبهه في مائِهِ السمك
وقال ابن دانيال الموصلي: وحاوٍ منَ الحُسنِ منْ صدْغهِ عقارِبَ قد جاوزَتْ أَحنَشا
بَذَلتُ لهُ الرُّوحَ في وَصْله وقاضي الهوى لا يحب الرشى
وبدرٌ لهُ أَدمُعي نثرةً يفوق الهلالَ بَدا في الرِّشا
وقال ابن عنين في الرشاء موريا:
فَجَعَلتُ سِرَّ القَلبِ سَترًا دونَهُ فَمَنِ الأَمينُ البَرُّ إِن قَلبٌ وَشى
إِنّي لَأَخشى القَلبَ يَكشِفُ سِرَّهُ إِن طارَ عَنهُ النِسرُ وَاصطادَ الرَشا
وقال التهامي:
حَيَيتُما من دمنتي طَللينِ عطلين موحشتين مقفرتينِ
عفَّى عراصهما عَلى طول البلى نوء الرَشا وَبَوارح الفرغَينِ
وَمَحاهما مِن آلِ محوة وَالصَّبا أَذيال غاديتين رائِحتينِ
وَكأَنَّما أَبقين من رسميهما طِرسَين مِن أَثوابِ ذي القرنَينِ
وقال ابن زقاعة من قصيدة طويلة عن الفلك:
شبهت عوَّاها بلام خطه قلم السماك ومده في الرقعة
والغَفْر من لدغ الزُّبانا خايف وكواكب الاكليل مثل الشيبة
والقلب يجذب شولة بزمامها ونعايم ترعى بأرض البلدة
عن ذابح بلع لسعد سعودها يروي حديثًا مسندًا عن صحة
عن سعد أخبية يقول مقدم ومؤخر أن الرشا في الخيمة
ختم المنازل كلها بنجومه ونجومه منظومة كالسبحة
وقال إخوان الصَّفا في رسائلهم: "فإذا نزل القمر ببطن الحوت،
فاعمل به نيرنجات المحبة وعطف القلوب بالمودة وإطلاق الأخيذ، وحل عقد السُّموم القاتلة، واعملْ فيه الطلسمات، ودبِّر فيه الصَّنعة، وادعُ فيه بالدعوة، وعالج فيه من الروحانية، وازرعْ واحصد واكتَلْ غلَّتك، وسافرْ، واختلط بالملوك والإخوان، وتزوَّج، واشترِ الرَّقيق والدَّواب، واستفتح فيه الأعمال، فإن ذلك محمود العاقبة، نامي البركة، نافذ الروحانية. ومن ولد فيه، ذكرًا كان أو أنثى، كان سعيدًا ميمونًا، زكيًا محمودًا، حسن السيرة".
ولأنَّ "الرِّشاء" من كوكبة "الحوت" (السَّمكة)، تحكي الأساطير الإغريقيَّة إنَّ الوحش الجبَّار "تايفون" Typhon أفزع آلهة الأولمب عندما داهمها في مهجرها في "مصر"، فاتَّخذ كلُّ إلهٍ شكلَ حيوان هربًا منه، حتى "زيوس" نفسه، وهو ربُّ الأرباب، حوَّله الفزع إلى حمل وديع. أمَّا "أفروديت" Aphrodite وابنها "إيروس" Eros، فلم يجدا خيرًا من الماء، فتحوَّلا من فورهما إلى سمكتيْن سبحتا بعيدًا عنه، وانزلقتا إلى نهر النيل. فرفعت "مينرفا" Minerva، إلهة الحكمة، السَّمكتيْن إلى قبَّة السَّماء من أجل أن تمكث هذه الحكاية على الأرض ولا تذهب جفاء، ولكي يدرك الأنام حكمة "أفروديت" التي اختارت الماء، فاختارتها السَّماء.

Thursday, 27 April 2017

الغناء في الحجاز - ، وتجليات سحره في طفولتي



"الغناء في الحجاز"، وتجليات سحره في طفولتي
ندرك من خلال ما توصّلنا به من مصادر أن النبي (ص) كان للشعر في مجلسه دورا ومساحة، وكان ينشد الشعر ويستنشده وله جماعة من الشعراء ينافحون عنه إذا ما تناوشت رسالته ألسنة الشعراء من قريش أو حلفائها أو بتحريض منهم، فكان له من الشعراء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك.
وكان يحثّهم بأساليب متعددة، فقد كان يقول لحسان بن ثابت: (يا حسان اهجهم وروح القدس يؤيدك)، وكان كلما أصغى لشعر حسان في الذود عنه وعن دينه يقول (لهذا الشعر أشد عليهم من وقع النبل).
وورد في الحديث بمثل هذا الشأن (أمرت كعب بن مالك فقال وأحسن، وأمرت حسان بن ثابت فشفي واستشفي).
فلقد كان الشعراء جزءا أصيلا في الحراك الإجتماعي والسياسي، وليس ببعيد عنا قصيدة نهج البردة التي قالها كعب بن زهير في النبي، وخلع عليه بردته، وكان قبل ذلك قد هدر دمه بسبب قصيدة أيضا.
وأجد ان العرب عرفوا أنوعا من الغناء قبل الإسلام فلقد كانوا يرقّصون أطفالهم بالغناء، و يبكون موتاهم بالنواح الذي هو ضرب من الغناء، ويغنون في الحرب ويحدون للإبل، بل أن النبي ذاته عندما قدم من مكة إلى المدينة مهاجراً ألّفت نساء الأنصار في استقباله ما يشبه الجوقات، إذ كن يغنين جماعات بالدف والألحان. وكان الغناء شائعاً في المدينة، وتشترك فيه النساء كالرجال، ولا يستبعد أنهم عرفوا آلات الطرب والسماع في معابدهم وفي أعيادهم. فلقد كانوا محاطين باليهود والنصارى وكان معروفا عن العبران استعمالهم للموسيقى في معابدهم، ولقد وصلتنا من ذلك العصر أسماء بعض آلات الطرب التي استعملها عرب ما قبل الإسلام.
ويرى بعض الباحثين أن الإسلام لم يكن يحرم الغناء، فلم يكن محرما على أيام النبي، ولم يكن يدعو لنبذه، كما عُرف عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يتغنى وهو مُحرم. بل معروف أن عامة أهل الحجاز أجازوا الغناء.
وكذلك الحال اثناء الخلافة الراشدة، وإن لم يتسع مجاله في عهدي أبي بكر وعمر، ومع حلول عصر عثمان، واتساع الدولة الإسلامية بعد فتح بلدان ومدنيات عريقة، وبدأت الأموال تتوافد على الحجاز ودبّ الرخاء في حياتهم ومالت قلوبهم إلى اللين وسيق الأسرى إليها وهم غالبا من العراق وفارس والشام. بدأت عند ذاك مرحلة جديدة. ولكن نتائجها لم تظهر على أيام عمر، وإنما في عصر عثمان عندما هدأت الفتوح. فبنى الأشراف والموسرين في المدينة القصور، فعرف الغناء والمغنين طريقهم إلى هذه القصور حتى أصبحت المدينة مركزا للغناء في العصر الأموي.
وبالطبع يمكننا القول أن ظاهرة الإماء اللواتي كنّ يعدن بأصولهن إلى المدنيات المتحضرة عرفهن عرب الجزيرة في مراكز الحضارة في الشام والعراق، ولقد تركن تأثيرا على الشعر والغناء قبل الإسلام، ولقد وصلن إلى الحجاز قبل فتوح البلدان، بل قبل ظهور الدعوة، فلقد كانت جوائز الملوك أحيانا من الإماء، والشعراء يطلبون ذلك بانفسهم وهو ما نجده في أبياتٍ للنابغة الذبياني يخاطب فيها النعمان أن يهبه الإماء المنعّمات جنبا إلى جنب مع غلاظ الإبل:
الـواهب المائة المعكاء زينها *** سعـدان توضح في اوبارها اللبد
الراكضـات ذيول الريط فانقها *** برد الهـواجر كالغرلان بالجـرد
أما الغناء كظاهرة فلقد عرفها العرب أول الأمر من الحجاز، حيث وُضعت أصوله من خلال مجموعة من المغنين والمغنيات كابن سريج وسائب خاثر وجميلة ومعبد وكان ذلك في أيام بني أمية، وفي خطوة لاحقة وجد طريقه إلى قصورهم في الشام ، كما أن الموسرين من قريش ممن أبعدوا عن العمل السياسي وجدوا في الغناء وما يتبع مجالسه من لهو بغيةً أقبلوا عليها بشغف وحرص شديد حتى ذُكر أن عمر بن عبد العزيز صنع عدة أصوات و هو أمير على المدينة.
أما خلفاء الشام فلقد ذكرت مصادر عدة أن معاوية بن أبي سفيان كان يطيب له غناء سائب خاثر وأما ابنه يزيد فلقد وصفه المسعودي بأنه صاحب طرب وفي أيامه ظهر الغناء بمكة و المدينة.
ودفع ابنه الوليد الأمر فكان أول من حُمل المغنين إليه من البلدان المختلفة.‏
وارتباط نشوء الغناء كظاهرة وعلاقته بالاستقرار ورخاء العيش والعمران، فلقد فسّرها ابن خلدون بقوله (وإذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توافر وتجاوز حد الضروري إلى الخارجي إلى الكمالي و تفننوا فيه. فلما جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدنيا، وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والفضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة الدين وشدته في ترك أحوال الفراغ ... لم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة، والترنُّم بالشعر الذي كان ديدنهم ومذهبهم.
فلما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم، صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية، واستحلاء الفراغ، فافترق المغنون من الفرس و الروم، فوقعوا إلى الحجاز، وصاروا موالي للعرب، وغنوا جميعاً بالعيدان والطنابير و المعازف والمزامير، وسمع العرب تلحينهم للأصوات، فلحنوا عليها أشعارهم.‏
كان لشيوع الغناء وجوقاته في ربوع الحجاز وما يحيطها أن ظهر الشعراء بجانب المغنيين والمغنيات، وأخذوا يمدّونهم بالقصائد التي هي المادة الأولية للغناء، وكان الغناء ذا طابع حضري يمكنك أن تتلمّس الترف فيه، وصار الفريقان متلازمان لا يكادا ينفصلان عن بعضها، فما أن ينشد فلان قصيدة حتى تجدها مغناة وتستظهرها قلوب الحجازيين بأصواتها قبل ألسنتهم.‏
فأخذ الشعراء يقدمون خير نتاجاتهم وربما يفعلون ذلك إزاء مقابل مادي كما هو الحال اليوم.
ولا ريب أن عمر بن أبي ربيعة هو حامل لواء هذا الضرب من الشعر الحضري المغنّى، وكان له مذهب في كتابته جعل منه زعيما لغزليي عصره كما أشار إلى ذلك طه حسين، بل اتسع الأمر لدرجة أنه عدّ ابن أبي ربيعة زعيم الشعراء العرب قاطبة في قدرته على تمثيل عصره وبيئته فشعره كان تصويرا دقيقا وصادقا لطبيعة الحياة الحضرية في الحجاز من تصوير لدقائق حياة الأثرياء والموسرين والشباب الحجازي بعامة، وكذلك فيه تمثيل لطبيعة حياة المرأة الأرستقراطية المترفة.
فلقد أتيحت له أسباب اللهو وجميع وسائله فكان علما منذ ان بدا يهذي حتى قال الشعر وجعل رجال على زنة العباس عم الرسول يصغي إليه وقد انقطع عما حوله حتى عاتبه قوم على ذلك وكانوا قد قطّعوا اكباد الإبل ليسألونه في أمور دينهم ودنياهم، وكانت جوارحه معلقة بابن أبي ربيعة وهو ينشد قصيدته التي مطلعها: أمن آل نعمى...
لقد رفع ابن أبي ربيعة مع جماعة من أصحابه كالأحوص والعرجي ويزيد ابن الطثرية وكثيّر عزّة وأبو دهبل الجمحي، لواء هذا الضرب من الشعر الحضري، ولقد عرّجنا عليهم لأنهم جزء من حقيقة تاريخية ولقد كانوا أحياء وحقيقيين، وليس لأحد أن يرتاب في وجودهم، كما حدث مع الشعراء العذريين الذين لا يمكن التيقّن من حقيقتهم التاريخية.
لقد كانت مجالس الحجاز لا تخلو من مغنين ومغنيات يرددون قصائدهم بعد أن اكتشفوا أن من الغناء لسحرا، فلم يعد السحر مقتصرا على الشعر باعتباره التمثيل الأكبر للبيان كما عرفه العرب.
وذات الأمر حدث في منطقتنا، إذ أن من أسباب شيوع الغناء ومجالسه هو الثروات التي تدفقت على المنطقة خلال الخمسين سنة الأخيرة، وما ترتّب على ذلك من دعة في العيش وتوافر أسباب الترف، فكانت تلك أسباب كافية لتكون البيئة منتجة وحاضنة للغناء ومجالسه.
وما زلت أتذكر في طفولتي أبان الستينات المسجل ذو البكرات الصغيرة، وكنا ندعوه (مسجل البكرات) وكان شائعا قبل ولادة الستيريو والديجتال بسنوات. فكانت تلك المسجلة الأولى في طفولتي وأول صندوق سحري تخرج من أحشائه موسيقى ممزوجة بحشرجات طارق عبد الحكيم وهو يغني:
أبكي على ما جرى لي ياهلي
أو طلال مداح :
كم تذكرت سويعات الأصيل...
من تلك المسجلة سمعت أول أغان انتهت إلى اذني، قبل أن أكتشف وأعتاد على اسطوانات (45) واتي استمدت تسميتها من عدد اللفات في الدقيقة الواحدة، وكانت تُدفع إلى تجويف شبيه بالفم داخل الجهاز فيشرع بالغناء، وكان أبو بكر سالم وطارق عبد الحكيم يتنازعان أذنيّ.
وهما من أول الأسماء التي نشأت عليها
كانت الأجيال التي عاصرت أول موجة من الغناء في المنطقة من الأميين في الغالب، ولا يجيد إلا القلة منهم القراءة والكتابة.
وعند المقايسة بالبلاد الأخرى، كمصر مثلا، فنحن على علم بالمراحل التي مرّت بها بدءا من بديعة مصابني..
تلك الستينات بصناديقها الساحرة عاشها الوالد على نحو مختلف إذ كان يدرس أبانها في القاهرة وتعرف على الثالوث أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم عن قرب ولقد حضر بعضا من أمسياتهم.
وعندما تولى رئاسة الديوان الأميري بادر إلى دعوة نجوم الغناء العرب كعبد الوهاب وأم كلثوم، فخرجوا من صناديقهم السحرية وجاءوا إلينا.
وهنا أريد أن اعرّج على حكاية سمعتها من الراحل محسن سليمان (ابن رئيس وزراء العراق في عهد الملك) عندما كانت السيدة أم كُلثوم تُستقبل في بيته، وفي إحدى المرات رأته وكان صبيا وسيما فسألت عنه، فقيل لها إنه محسن، فما كان منها إلا أن ضمّته إلى صدرها وطبعت بضعة قبلٍ على خدّه.
فكان في شبابه يتردد على مصر وعندما تحين الفرصة، يسأل أصدقاءه مداعبا: من منكم حظي بقبلة من أم كلثوم؟
فيتبادلون نظرات خاطفة قبل أن يقولوا بصوت واحد: لا أحد
فيقول لهم مغايضا: أما أنا فلقد حظيت بقُبلٍ منها.
وكما فعل الوالد من قبل فعلت الأمر ذاته عندما دعوت عند رئاستي لأمانة المجمع الثقافي أبو بكر سالم والمحضار، اللذان طالما تشّربنا فنّهم صغارا، وكانت تلك الليلة عرسا كبيرا.
كما لا يمكنني أن أنسى عالم الطفولة بسحره حيث يكون الزمن بطيئا عندما كنت أختلس النظر إلى عمتي عوشة أطال الله عمرها من نافذة غرفتها وكنت أرقبها وهي تخرج الاسطوانات السوداء الكبيرة (Lp) من علبها وتضعها في جهاز فونوغراف، ثم بغتة تدبّ فيه الحياة ويبدأ الغناء، كانت تلك اللحظة فارقة حيث كنت أشعر بالشغف يسيل من صندوق عمتي ويصل إليّ بعد أن يقطع فضاء غرفتها.
حدّثني محسن سليمان ذات مرة وقد تنازعته ذكرى قديمة فقال: أحيانا عندما أطلب اسطوانة من مكان فيصلني في البريد، أقبض على المغلّف بكلتا يديّ، وأناجي القرص وأنا أفتح المغلّف بشغف، آلا ما أليقك بهذه اليد، أيتها الإسطوانة لا تليق بك سوى أصابعي..
وكان يريد أن يقول أنه وحده من يدرك قيمة هذه الاسطوانة، أما الآخرون فهي ليست أكثر من قرص أسود عملاق جامد بلا سحر.

Wednesday, 26 April 2017

ليوناردو دافنشي- رحلات العقل


ليوناردو دافنشي- رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول- ترجمة: أميمة الزبير
----------
الجزء السابع- 2- طاب يومك، سيد فرانسسكو
-----
قبل وقت ما من عودته المؤقتة إلى فلورنسا في صيف عام 1507 قابل ليوناردو شاباً ارستقراطيًا من ميلانو يدعى فرانسسكو ميلزي. ربما قبل ميلزي تلميذا لديه- وكان أن أصبح بعد ذلك بارعاً في رسم الخرائط والتلوين- ولكن عمله الرئيسي في الطاقم أصبح كتابياً أكثر منه فنياً. لقد أصبح أمين سر ليوناردو أو ناسخه- وللمرء أن يقول أمينه الفكري حتى- وبعد وفاة ليوناردو أصبح منفذ وصيته: حارس الشعلة.

http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=575

وقد وُجد خَطُّه المائل الأنيق متناثراً في جميع أوراق ليوناردو- في النصوص التي نقلها لليوناردو أو أملاها الأخير عليه، وفي الشروحات، "الديباجات وعلامات التجميع- ويجب أنّ نشكر ميلزي أكثر من أي شخص آخر على نجاة العديد من مخطوطات ليوناردو.
حظي جيوفاني فرانسسكو ميلزي بتربية ممتازة وتعليم جيد، ولكن أسرته لم تكن غنية. فوالده غيرولامو ميلزي، عمل كقائد في الجيش الميلاني تحت إمرة لويس الثاني عشر، وبعد ذلك بوقت طويل شارك كمهندس في إعادة بناء وتوسيع أسوار المدينة (كان هذا في مطلع ثلاثينيات القرن السادس عشر، بعد استعادة آل سفورزا للحكم)- - وكان رجلاً ريفياً ذا قدرات ومهارات: نوع من الرجال عرفه ليوناردو جيداً. كان مسكن العائلة في فابريو، فيلا قديمة رائعة تشرف على نهر آدا. وفي أحد الرسوم المحفوظة في المكتبة الأمبروازية، والمؤرخة في 14 أغسطس عام 1510، يكتب ليوناردو عن نفسه" فرانسسكو دي ميلزي في عامه السابع عشر"، وفي هذا الحالة يكون مولوداً في 1492 أو 1493، وفي الرابعة عشرة من العمر تقريباً عندما انضم لحاشية ليوناردو. كان هذا الرسم، وجهاً جانبياً جميلاً بالطبشور الأحمر لرجل مسنٍّ ذي لحية، وهو أقدم أعمال ميلزي المعروفة. وفي هذا الوقت ثبت أنّه كان عضواً تحت التمرين في مرسم ليوناردو. (يتعرف البعض إلى تأثير لبرامانتينو في أسلوبه في الرسم، وربما كان قد تتلمذ على يد ذلك الفنان القدير قبل أن يلتحق بليوناردو.) وقد تبينت مهاراته في التدقيق والشكليات في بعض من النسخ التي أنتجها لرسومات ليوناردو في ويندسور. لوحة وجه ليوناردو بالطبشور الأحمر الجميلة من الجانب هي بالتأكيد من عمل ميلزي: وهنالك نسختان أخريان منها في ويندسر والامبروزيانا، والأولى قد حظيت ببعض الإصلاحات بيد المعلم.
تقابل فازاري وميلزي بعد أن تقدم الأخير في السن، أثناء زيارته لميلانو عام 1566، وأضاف الفقرة التالية إلى نسخة 1568 من الحيوات:
الكثير من مخطوطات ليوناردو في التشريح موجودة في حيازة السيد فرانسسكو ميلزي، أحد سادة ميلانو، والذي في عهد ليوناردو كان فتىً وسيماً، وقد كان محبوباً من قبل ليوناردو. وبقدر ماهو رجل مسن ووسيم ومهذب الآن. لقد حافظ على هذه الكتابات وقام بصيانتها كما لو أنّها آثارٌ، وكذلك البورتريه الذي هو ذكرى سعيدة من ليوناردو.
عبارات فازاري- التي تقول إنّ ميلزي كان [طفلاً جميلاُ] "bellissimo fanciullo" [أحبه ليوناردو كثيراً] "molto amato da' Leonardo"- تعكس اللغة التي استخدمها في الحديث عن سالاي، وتحمل افتراض المحبة "السقراطية" ذاته. وهذا لا يعني بالضرورة علاقة الحب المثلي الجسدي، بيد أنَّ المرء قد يظن أنّ فازاري كان يعتقد أنّ هذه العبارات تعني أنَّ ليوناردو كان كذلك. في جميع الأحوال كان لميلزي حياة جنسية طبيعية بعد وفاة ليوناردو؛ إذ تزوج من انجيولا لانرياني المنحدرة من عائلة نبيلة، والتي يقال إنّها واحدة من أجمل النساء في ميلانو، وقد كان أباً لثمانية أطفال. لا نعلم، لكن بوسعنا التخمين- بأنّ سالاي قد اعتقد أنَّ هذا الشاب الدخيل، " هذا الفتى الرائع الحسن"، الذي تنمّ أخلاقه الدمثة وخطه المثقف عن تميز وامتياز. كان لميلزي رقيٌ لم يكن أبداً من صفات سالاي ( بيد أنّ مقولة سالاي كان من "العامة" وردت للتعريف بأحد الأمور التي أحبها ليوناردو فيه). سالاي أنيق، وغير مكترث، وكان منبسط الجسم، وماهراً في التعامل مع المال، مال الآخرين في العادة.

أما كيف كان يبدو ميلزي الـجميل "bellissimo" في الحقيقة فهذا أمر غير معروف- ليس هنالك أي سبب وجيه لأن نقول (مثل براملي وغيره) بأنّ اللوحة التي في الامبروزيانا لشاب مستدير الوجه يعتمر قبعة هي صورة له من رسم بولترافيو. إنّه من المحتمل أنّ ليوناردو رسمه، ولكن هنالك عدد من الرجال الشباب في دفاتره الأحدث، ليس هنالك دليل على أنّ واحداً منها قد يكون لميلزي- ليس من بينها ما أصبح موضوعاً متكرراً أو عاديّاً في الحقيقة مثل سالاي. ولقد احتج بيترو ماراني بأنّ رسم ميلزي للرجل الشاب ذي الببغاء، بيد أنّه على الأرجح عمل متأخر يعود إلى خمسينيات القرن السادس عشر، هو بورتريه لنفسه عندما كان شاباً، وكان فيها حسٌّ من الكآبة والحنين.
أولى الإشارات لفرانسسكو ميلزي في أوراق ليوناردو هي مسوَّدة لخطاب له، بخط يد ليوناردو، كتب في فلورنسا في أوائل عام 1508.
طاب يومك، سيد فرانسسكو
لماذا بالله عليك لم تجب على خطاب واحد من جميع الخطابات التي بعثت بها إليك؟ لا عليك سوى الانتظار حتى أصل إليك وأقسم بالله سأجعلك تكتب كثيراً
سوف تندم.
النبرة ودودة، وساخرة، ولكنها ربما لا تخلو من إشارة أصيلة للألم لأنّ ذلك الرجل الشاب، كما يبدو، لم يكلف نفسه عناء الإجابة عليه. هنالك أيضاً إشارة واضحة على دور ميلزي كسكرتير أو ناسخ كما ثبت بالفعل (سوف أجعلك تكتب كثيراً حتى تندم) إن لم يكن كذلك بشكل رسمي بعد.
من وجهة النظر هذه؛ فإنَّ ميلزي أحد الأعضاء المهمين في حاشية ليوناردو. فهو بلا شك "سيكو" و "سيشينو" (تصغير فرانسسكو) في قائمة الأسماء المؤرخة 1509-1510، والتي ورد فيها اسمه بجانب اسم سالاي، ولورينزو وآخرين. سافر مع ليوناردو إلى روما في 1513، ثم إلى فرنسا، حيث أصبح دوره مهماً أكثر فأكثر للمعلم الذي يتقدم في السن، ويتلقى راتباً مجزياً يبلغ 400 إكو في السنة- بخلاف سالاي الذي هو بالكاد "servant to Maistre Lyenard" خادم للمعلم ليوناردو مقابل 100 إكو بالسنة. إنّه صاحب الحضور الجميل في منزل ليوناردو: كتوم، كفء، موهوب، مخلص- الناسخ المثالي (أو كما نقول الآن، المساعد الشخصي). إنّه رفيق مثقف في عزلة ليوناردو: أكثر تعلماً وأقل تعقيداً من الشقي سالاي.

Tuesday, 25 April 2017

غابات بلومنجتن المتوحشة


 
http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=573

بدأت جرعة الأحلام تكبر وتتّسع عندما تخرجنا في عام 1977 وعُقد الرأي على أن نكمل تحصيلنا الدراسيّ في الولايات المتحدة
الأمريكية.
كانت أمريكا بالنسبة لنا في تلك الأيام عبارة عن لافتة عملاقة لرجل الكاوبوي جون واين وعصابات الهنود الحمر بوجوههم الملوّنة وصرخاتهم القصيرة الحادة. هذه أمريكا كما كنا نعرفها، بالإضافة إلى شغفنا بما كانت تجود به صناعة السينما فيها. وقبيل السفر كان لزاما علينا أن نتحوّل إلى آذانٍ عملاقة لنتمكن من الإصغاء إلى التحذيرات التي تنطلق من هنا وهناك، وكلّما اقترب موعد الرحلة كلما ازداد وتنوع تحذيرهم وترهيبهم من أشياء كثيرة يحفل بها المجتمع الأمريكي.
ولكن أكثر ما كنا نحذّر منه هو تعاطي المخدرات والكحول والنوادي الليلية وبنات الليل.
كانت وجهتنا الدراسية هي مدينة بلومنجتون في ولاية أنديانا، وكان برفقتي صديقي محمد داغر، ومن انديانا اتجهنا إلى (بلومنجتن)، حيث تحصّلنا على سكن طلّابي كان يضم قرابة 300 حسناء تم تقطيرهنّ قطرة قطرة في هذا السكن، وطالبين فحسب هما أنا ورفيقي محمد.
كان الأمر يبدو لأول وهلة وكأنه من سخريات الأقدار بعد أن جرى تحذيرنا من الحسناوات وعظيم كيدهنّ وإذا بنا الشابين الوحيدين في غابة لا تُنبت سوى النساء، وكأن كل شيء من حولنا يقول بصوتٍ واحد هيت لك.
ولكن شابين من أبو ظبي وجدا نفسيهما على حين غرّة في غابة وحشية لم يتمكنا في القاعة الواسعة المخصصة لتناول الطعام من رفع أعينهم عن المائدة وهما يتناولان فطورهما. لقد كنّا أشبه بالصمّ والبكم وأهدافا لايمكن لمئات العيون المصوّبة والتي تشبه صمعات (بنادق) أجدادنا أن تخطئنا. وربما كنا نتمنى في قرارة أنفسنا أن لا تطيش نظراتهن بعيدا عنّا.
وذات يوم كنت أسير مع محمد في أحد شوارع بلومنكتن، وبغتة هتف بي مارد أسود: هل تريد أن تحلّق عاليا؟ وهذا اصطلاح لا يقوله إلا من يريد أن يعاطيك حشيشاً أو هيرويناً. فقلت له: بل أحبّ السير على الارض، فأنا أعرف طريقي جيدا في هذه المدينة. وفي أحد الصباحات فتحت عينيّ على قطع كالقطن من فرط بياضها لمحتها تهوي من النافذة. خفق قلبي فزعا، وهرعت إلى النافذة، ورأيت أن الأرض اكتست باللون الأبيض. فعلمت للمرة الأولى أن الثلج يهبط من السماء ولا يخرج من الأرض. كانت تلك بالنسبة لشاب ظبياني شبيهة بمعجزة لا يمكن للثلج أن يكون آخر تجليّاتها، فما دام الثلج يهبط من السماء فلا بأس أن يسقط جون واين أيضا وعصابات الهنود الحمر ببنادقهم وسهامهم وصيحات حربهم، كل شيء أصبح ممكنا الآن ولا فرار من المصير الأبيض. ذهبت مسرعا إلى رفيقي وأيقظته ليشهد المعجزة بنفسه، كان مشهدا سحريّا لا يفارق ذاكرتي ما حييت. ثم خرجنا بعد أن تدرّعنا بألبسة صوفية ثقيلة لنستمتع بجولة من أجل أن نحصي بياض الثلج.
وبعد أيام أذاعت القنوات المحلية نبأ وصول (بلزد).
ولم نكن قد سمعنا بهذه اللفظة من قبل، وكانت تعني أن إعصارا ثلجيّا تشكّل وهو في طريقه إلى المدينة، وطُلب من السكان أن يتزوّدوا من المحال بما يكفيهم لأربعة أيام أو خمسة. فلقد كانت الهجمة المرتقبة من الشراسة ما سيجعلها تستمر لأيام. فتوقفنا في صفوف طويلة لنتزود بأنواع من الأطعمة ومكثنا نترقّب الإعصار ولا نعرف ما تخبّؤه الأيام لنا. وفي اليوم الموعود صحونا وقد نفخ الثلج في صور المدينة فابيضّت عن آخرها، ولم يعد ممكنا التمييز بين الأبنية والشوارع، فلقد أصبحت أمام شراسة الثلج سواسية كأسنان المشط.
بدأت مع محمد محاولة إعداد وجبةٍ وكانت تلك الوجبة أول عهدنا بالطبخ، فأعددنا رزّا يُقال له (الأنكل بينز) وهو على النقيض من البسمتي الهشّ واللذيذ فلقد كان أقرب إلى المكسّرات منه إلى الرزّ. ومكثنا نكابد أياما عصيبة شاهدنا فيها بيوتا ومحال وأماكن شتّى تراكم الثلج عليها وعلى مداخلها فشّق على أصحابها فتح أبوابها، فكانوا يستعملون المعاول والمجارف لإزاحة الثلج. أما السيارات فلقد جُنزرت دواليبها بسلاسل من الحديد لتتمكن من عضّ الأرض بأنيابها الفولاذية حتى تنزلق على الثلج.
في تلك الأيام التي أستعيدها بمشاعر متناقضة لا زلت أتذكر عندما هاتفني الصديق علي السيد، وكنا نكابد جوعا لا نحبه ولا يحبّنا،
وقال أنه سيعدّ وجبة برياني وسيحملها إلينا في قدر مضغوط سيرا. وهكذا سار علي السيد نحو نصف ساعة على أرضٍ شبيهة بثقب
أبيض يبتلع كل ما ينزلق عليه، وصل علي بوجبة البرياني التي لا زال عبير توابلها لم يبرح ذاكرتي بعد. ولكن وكما يُقال (ما بعد
الطيّب مقام)، فبعد هذه الحوادث التي تواترت علينا لم نعد قادرين على المكوث مدّة أطول، وكان علينا مغادرة المدينة وغابة النساء
وأنياب الثلج الذي لا زال يهبط من الأعلى ولا يخرج من الأرض.
فطلبنا من إدارة البعثة التي كان يرأسها السيّد أحمد الرمحي أن يحملنا إلى مكان آخر، فلم تعد لنا طاقة على مكابدة هذا المناخ الذي
يبدو وكأن صورا عملاقا أعلن فيه قيامة الثلج والبرد.
فاقترح علينا أن نكمل تحصيلنا في كالفورنيا، وبالتحديد في لوس أنجلوس. لم نتردد ولا لبرهة في القبول وحزم أمتعتنا بعد أن انقشعت العاصفة الثلجية، وقصدنا المطار المحليّ، وأقلّتنا طائرة صغيرة. وكاد حلمي أن يتهشّم إلى شظايا صغيرة بعد أن ركبنا الطاهرة، فما
أن حانت مني التفاتة إلى الخلف حتى رأيت أمتعتنا ملقاة على الكرسي الخلفي. ثم باغتني ربّان الطائرة بطلبه أن أقفل الباب خلفي،
وكان طلبه إيذانا بأن شيئا غير محمود سيحدث.
فما أن أقلعت الطائرة حتى واجهتنا زوبعة جعلتني أشعر وكأن الريح تخفق في قلبي قبل أن تخفق على جسم الطائرة فتقلّبها في الهواء
ذات اليمين وذات الشمال مثل درهم يقلّبه اللاعبون بأكفّهم، فذكّرني ذلك بما كان يعانيه قديما المسافرون على ظهور المراكب
والمحامل عندما تباغتهم عاصفة هوجاء فيقول القائل في وصف ما يصير إليه أمرهم: (استٍ في الماء ورأس في الهواء). لقد زلزلت
الطائرة زلزالها، ولم نكد نصدّق أنفسنا وهي تهبط في أرض المطار، فلقد مرّت علينا لحظات شعرنا أنها تقودنا إلى ثقبٍ سماويّ في
أعلى عليين، إلى ذات المكان الذي يهبط منه الثلج وجون واين. ثم انتقلنا منها إلى طائرة أكثر وقارا وثباتا، لتقلّنا إلى لوس أنجلوس،
أرض الحوريات وصناعة السحر.

Monday, 24 April 2017

قصة - ثوب الإمبراطور - او الملك عاريا


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=568

قصة "ثوب الإمبراطور" او الملك عاريا
للكاتب الدنماركي كريستيان أندرسون
-----------------
كان الإمبراطور يعشق الثياب الجديدة، فكان يقوم بتبديل ملابسه مرات عدة خلال اليوم. وفي يوم من الأيام أقدم رجلان للإمبراطور وادعيّا بأنهما حائكان ماهران يجيدان حياكة الثياب الفاخرة، واقترحا على الإمبراطور حياكة ثوب فاخر له لا يراه إلا الأذكياء، والذي لا يستطيع رؤيته يكون أحمق. فرح الإمبراطور فرحًا شديدًا عند سماعه لذلك.
طلب الحائكان المحتالان من الإمبراطور خيوطًا ذهبية بحجة أنها تلزمهما لحياكة الثوب العجيب، لكنهما قاما بتخبئتها في كيس، وتظاهرا بأنهما ينسجان هذا الثوب ويحركان نول الحياكة ليسمع أهل القصر صوته القوي.
ذات ليلة طلب الإمبراطور من كبير المستشارين أن يذهب لغرفة الحياكة ويرى الثوب. عندما وصل كبير المستشارين لغرفة الحياكة، رأى الحائكين الخبيثين يعملان بنشاط لكنه لم يرَ الثوب فتظاهر برؤيته له لكي لا يبدو أحمقًا بنظر الإمبراطور وأبدى إعجابه بالثوب المزعوم.
بعد خروج كبير المستشارين، ذهب المحتالان إلى الإمبراطور وطلبا منه خيوط ذهبية إضافية، فلبّى لهما طلبهما دون اعتراض. أخبر كبير المستشارين الإمبراطور بجمال ذلك "الثوب العجيب"، وسرعان ما ضج أهل المدينة بسماع خبر جماله.
ذات ليلة أرسل الإمبراطور رئيس الحرس ليستعلم عن الثوب الجديد، فحدث معه ما حدث مع كبير المستشارين من قبله، وهرول إلى الإمبراطور ليخبره بجمال الثوب.
في نهاية المطاف أعلن المحتالان انتهائهما من حياكة القماش، وبدآ في خياطة ثوب الإمبراطور. في اليوم التالي دعا المحتالان الإمبراطور لقياس الثوب الذي طال انتظاره، ففرح الإمبراطور كثيرًا وأسرع لرؤية ثوبه الجديد، لكنه عندما وصل إلى غرفة الحياكة فوجئ بعدم رؤيته له، لكنه تظاهر أيضًا بإعجابه الشديد للثوب كما فعل من قبله كبير المستشارين ورئيس الحرس.
بدأ المحتالان يُلبسان الإمبراطور الثوب المزعوم، فشعر الأخير بالبرد، لكنه لم يفصح عن ذلك وأكمل في إبداء إندهاشه به، وأخبر بأنه سيقيم موكبًا في العاصمة، يستعرض فيه ثوبه الجديد ليراه سكان البلاد.
في يوم العرض خرج الإمبراطور في موكبه عاريًا يحسَب أنه مرتديًا ثوبه العجيب، واضعًا التاج على رأسه ومزيَّنًا بالحلي، متبخترًا في مشيته، والناس يهللون ويهتفون له بحماس شديد، وبدؤوا يدَّعون انبهارهم بالثوب الذي لا يراه إلا الأذكياء، فتارة يصفوه بالجمال وتارة بدقة التصميم، فازداد الإمبراطور فرحًا وبهجة.
عند دنو نهاية العرض، وبينما كان الإمبراطور منهمكًا في استعراض ثوبه، صاح صبي بأن الإمبراطور عارٍ وأخذ يكررها ويضحك. أدرك الناس ذلك وانفجروا ضاحكين.
احمر وجه الإمبراطور خجلًا، وأدرك أنه كان ضحية الرجلين المحتالين اللذين كانا قد فرّا ومعهما أكياسًا ملآ بالذهب.

«وإني لأرضى» لــ «جميل بن معمر» بصوت محمد السويدي.



«وإني لأرضى» لــ «جميل بن معمر» بصوت محمد السويدي.
"كَانَ لزاماً عَلِيّ أَنْ أُوقِظَ شُعَرَاءَنَا مِنْ المُتَصَوِّفَةِ والعذريين، وَالغَزْلُ والتشبيب وَالنَّسِيبُ وَالحُبُّ لِنَقُولَ فِي صَوْتٍ وَاحِدٍ: نَحْنُ أُمَّةٌ عَرَفَتْ #الحُبَّ كَمَا لَمْ تَعْرِفْهُ شُعُوبٌ الأَرْضَ، وَهَذَا دَلِيلِي إِلَيْكُمْ". مُحَمَّدٌ أَحْمَدُ السُّوَيْدِيُّ متحدثا عن سبب إطلاقه مشروع "لخولة".
ندعوكم للاستمتاع بهذة المقطوعة من مشروعنا كتاب (#لخولة365_أنشودة_حب) يليقها الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، كما يمكنكم الاستمتاع ببقية المقطوعات من خلال تحميل تطبيقنا « لخولة »، وهو متوفر على iTunes من خلال الرابط التالي: http://khawla.electronicvillage.ae

Sunday, 23 April 2017

23 نيسان/أبريل


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=565

23 نيسان/أبريل: تاريخ رمزي في عالم الأدب العالمي، ففي هذا التاريخ من عام 1616، توفي كل من ميغيل دي سرفانتس ووليم شكسبير والاينكا غارسيلاسو دي لافيغا. كما يصادف يوم 23 نيسان/أبريل ذكرى ولادة أو وفاة عدد من الأدباء المرموقين مثل موريس درويون، وهالدور ك. لاكسنس، وفلاديمير نابوكوف، وجوزيب بْلا، ومانويل ميخيا فاييخو.
كان اختيار مؤتمر اليونسكو العام الذي عقد في باريس عام 1995 لهذا التاريخ اختياراً طبيعياً فقد أرادت فيه اليونسكو التعبير عن تقديرها وتقدير العالم أجمع للكتاب والمؤلفين.
وفي هذا الصدد، أنشأت اليونسكو اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف

Saturday, 22 April 2017

تجارة عباس وحادث فلوريدا


بلغنا نبأ حادث إطلاق النار على نادٍ ليلي في فلوريدا،
فتذكّرت الأستاذ عباس وهو بروفيسور إيراني أخذت معه كورسا (كيف تبدأ تجارتك) وكان ذلك أثناء دراستي في أمريكا (لوس
أنجلوس).
لأول وهلة لا تبدو الصلة قائمة بين حادث إطلاق النار والدكتور عباس، إلا أن العلاقة جوهرية إذا ما جعلتها بموازاة الذكريات التي بدأت تنهال والتي يمكن تصنيفها بالتجربة المريرة بيني وبين الدكتور الإيراني الأصل.
فعندما انتظمت في حصصه، كان عليّ أن أبلغ الفصل الدراسي في ضبط الساعة الرابعة، وكنت أتأخر عشرة دقائق على نحو متكرر بسبب ادائي صلاة العصر.
وذات يوم دخلت الفصل بعد أن تجاوزت الساعة الرابعة بعشرة دقائق، وكانت المحاضرة قد بدأت، فسألني على مرأى ومسمع من
الطلبة: لماذا تأخرت؟
فقلت معتذرا وأنا أمنّي النفس أنه سيدرك على الفور أن التأخر المرهون بالصلاة يمكن لمسلم مثله أن يتفهّمه: كنت أؤدي صلاة
العصر
فقبض الدكتور على قلادة حول عنقه وأخرجها وكان منقوشا عليها آية الكرسي، وقال (وسط دهشة الطلبة): وأنا مسلم أيضا، ولكنني أحرص على التواجد قبل الساعة الرابعة.
فاعتذرت ووعدت بالحضور قبل الرابعة.
ولم تكن هذه نهاية المواجهة المريرة مع هذا الأستاذ، بل كانت في الحقيقة شرارة لمواجهات كثيرة قادمة، ويمكنك القول، كانت نواة تواصل الانقسام على نفسها كلما جمعني معه حديث.
قال ذات يوم، وهو يشير بيديه الواسعتين ويحني قامته المديدة وجسده النحيف وكلما أطاح بكفه في الهواء تلامح فصّ من فيروز نيشابور في خاتمه: الإسلام دين دموي، ثم صمت لبرهة وكأنه يحاول أن يرى أثر الجملة عليّ. أما أنا فلقد شعرت وكأنه صعقني بها، فلقد تلقينا الدين في أسرنا ومدارسنا وعرفنا أن ديننا ناصع البياض، ولاتشوبه شائبة.
فأخذ يسرد حكايات من تاريخ صدر الإسلام وتأسيس الدولة، ثم قال: ومصداقا لما أذهب إليه فالنبي مات مسموما، وثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة ماتوا قتلا، ألم يُقتل عمر بن الخطاب؟، وأليس عثمان من قامت عليه الثورة من المسلمين أنفسهم وقتلوه في داره، وألم يفلق السيف هامة علي بن أبي طالب في مسجد الكوفة؟.
ثم ثبّت عينيه بعينيّ وأردف قائلا: وأنتم... ماذا فعلتم أنتم؟، ملتم ناحية معاوية ولم تنصروا عليا أو تنصفوه.
كنت في ذلك الحين شابا لم أبلغ العشرين بعد ولم تكن الحياة قد عركتني، ووجدت من يحاججني في درس مخصّص للتجارة في أمور لا تجعل نوقي وجمالي تتضاعف، فقلت له: هذا موضوع مضى عليه 15 قرنا ولم يعد الحديث عنه أو استعادته مجديا.
وذات مرة صادفته في مقصف الجامعة، فاستوقفني قائلا: أنتم الكويتيون من أسباب محنتنا في إيران، لأنكم جئتم لنا بالثورة الإسلامية.
فحاولت إقناعه على الفور بأنني لست كويتيا وأن لا شأن للكويت أساسا بمجيء الثورة الإسلامية في أيران، وإن الخميني لم يستوطن بلدا خليجيا بعد نفيه من ايران، بل قصد النجف في العراق قبل ذهابه إلى فرنسا. إلا أن الأستاذ عباس لم يبدو عليه أنه كان مستعدا ليتفهم كلامي.
وفي مرة أخرى وكنا في الفصل قال: إن عمر بن الخطاب هو سبب نكبة العالم المتقدم.
فتفرّست في الرجل قليلا وحاولت أن أفهم ما يرمي إليه، فقلت له: وكيف ذلك؟
فقال على الفور: لأنه هو من أحرق مكتبة الأسكندرية في مصر والمكتبة الفارسية في إيران وهو أمر ذكره ابن خلدون في تاريخه.
فقلت في نفسي (كيف أدفع عن نفسي هذا الشر المستطير، إنه يرى إلى الأمر كمواجهة، فإذا كانت قد بدأت، فكيف ستكون نهايتها. فكل ما يطرحه لم يكن من شأني، فأنا اسعى للحصول على درجة جيدة في مادته، وهو أمر بات على ما يبدو بعيدا وربما متعذّرا).
وبعدها بفترة صادفته أيضا، فقال لي: أنتم المسلمون كالصناديق المغلقة، ولا علاقة لكم بمستجدات العصر الذين تعيشون فيه.
فإذا سمعتم خبرا، كالنزول على القمر ذهبتم لتتحققوا منه في كتبكم القديمة.
أما بخصوص ما كان يحدّثني عنه حول دموية الإسلام في فترة التأسيس الأولى، فحاولت التخلّص منه بوعده من أنني سأعكف على قراءة التاريخ لأفهم ما يقصده.
ومن بين الأشياء التي أثارها هي قضية التاريخ، فلقد قال لي ذات مرة: إنكم باعتمادكم التاريخ الهجري، فكأنكم تعودون إلى الوراء، فالأمم احتاجت إلى آلاف السنين لتهتدي إلى النظام الشمسي، وأنتم تركتم كل ما تحقق وذهبتم إليه تهرولون إلى القمر.
فقلت له: وما شأني بهذا كله، لا تحاكم أحدا أو أمة من خلالي، فأنا هنا للدراسة.
كنت أحاول أن أدفعه عني بالتي هي أحسن حتى لا يتفاقم سخطه عليّ، خصوصا وإنني لم أكن قد قرأت الكورس بشكل جيد، فكانت
محنتي مضاعفة ومركّبة.
وفي إحدى المرات قال: لا فضل للعرب فيما تحقق في الحضارة الإسلامية، لأن كل علمائها من الفرس، بل حتى اللغة العربية التي
هي أخصّ خصائص العرب كان علماؤها فرس أيضا.
فكرت مرات عدة أن الغي الكورس، بسبب أنني حدست أن الأمر لن ينتهي على خير، وستتكرر المواحهة بأشكال وطرق مختلفة.
وبعد نهاية الفصل الدراسي، وعلى فرط التزامي بالحضور وتأدية الواجبات ومحاولة الصمت وأحيانا الانحناء تجنبا لعواصفه إلا
أنني لم أنج من نفمة عبّاي وسخطه، ومنحني أسوأ علامة في مشواري الدراسي، وكانت تلك العلامة سببا في هبوط معدّلي، فلقد
منحني علامة (D) التي لا يفصلها عن الرسوب سوى درجة واحدة.
وقال بعد أن جمعتني به مصادفة أخيرة: إذا دخلت الكورس ثانية، فلا تطمح بأكثر مما حصلت عليه.
والآن عندما أستعيد تلك الوقائع العبّاسية الطاحنة لا أتذكر أنني منيت بتجربة أقسى منها. فكيف لي أن أنسى عباس؟.
ولكن إذا كان لعبّاس فضل (وكل المعلمين لهم فضل بلا ريب)، ففضل عباس كان في جعلي أعيد قراءة التاريخ الإسلامي كاملا وهو الأمر الذي استغرقني سنوات طويلة ومازلت بين الفينة والأخرى أبحث عن صناديق مغلقة لأنبشها وأعرف ما في جوفها.
لقد خرجت من فصل (كيف تبدأ تجارتك)، بفيض من المعلومات التاريخية أضعاف ما فزت به من علم التجارة.
عندما بلغني نبأ وفاته شعرت بالحزن، ثم قلت: عليك أن تنتفض وتمزّق الكفن يا عباس، فلقد صرت اليوم أكثر استعدادا لمواجهتك.
كانت ذكرياتي بالأستاذ عباس لا تتمدد خارج هذه الدائرة، أما الذكريات الأخرى فلقد كانت محض غمام وصواعق بلا غيث أو مطر مدرار، كما في قول ابي الطيب:
ليت الغمام الذي عندي صواعقه يزيلهنّ إلى من عنده الديم
وأنا أقرأ حادث فلوريدا، تمثّل الأستاذ عباس أمامي في قوله لي: أنتم المسلمون تشعرون بتخويل إلهي يمنحكم حقّ تصفية كل من
يختلف معكم في الرأي، فليس عندكم قرع الحجة بالحجة، بل التكفير فحسب، فليس هناك أمة تكفّر خصومها كما تفعلون.
فقلت: إنني محظوظ حقا أن ما يفصلني عن الأستاذ عباس أمور عدة أولها الأبدية التي دخلها بوفاته، والمحيطات، وعقود من الزمن،
وإلا لما تورّع عن اتهامي بأنني أنا من ارتكبت الحادث في فلوريدا.

مارسيل_خليفة



«#مارسيل_خليفة يروي سيرته الذاتية في حلقات حصرية للقرية الإلكترونية»
ندعوكم لمتابعة حلقات مصورة وحصرية للفنان اللبناني مارسيل خليفة يروي فيها بإحساسه الدافئ، ذكريات وحكايات من سرد الذات، ضمن مشروع بالوسائط المتعددة تقدمه #القرية_الالكترونية في ابوظبي، لقراء الصفحة الكرام. برعاية الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي. نرجوا أن ينال إعجابكم ونرحب بمشاركتكم وتعليقاتكم الكريمة.
* مارسيل خليفة: فنان لبناني ومؤلف موسيقي ومغني وعازف عود، معروف بأغانيه المهمومة بقضايا الوطن، وقيم الثورة والأرض والحرية، وتضحيات الشهداء، اقترنت أغانيه بتقدير الأم والأرض، وارتقى بغنائه للحبيبة لتكون الأنثى والوطن في آن واحد، كأحد أهم الفنانين العرب الملتزمين صاحب الصوت الدافئ والقاعدة الجماهيرية الكبيرة، وهو أيضا صاحب التقدير العالمي العالي لمؤلفاته الموسيقية، تقديرُ أهْلِ الفن ودور الأوبرا وقاعات الموسيقى الكلاسيكية الأكثر عراقة في العالم، تم تسمية مارسيل خليفة عام 2005 سفيرا للسلام من قبل منظمة اليونيسكو.

Friday, 21 April 2017

بين فلورا والحرمل


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=560

"بين فلورا والحرمل"
لنبدأ في لندن، أو المملكة المتحدة، بما رحبت، فلقد كانت ذات يوم لا تغيب عنها شمس الله، وتمدّدت خارج الجزيرة آلافا من الكيلو مترات، وعمّرت من الحدائق والفراديس أعدادا كبيرة في كلّ مدنها، ناهيك عن الإقطاعيات التي تملكها العوائل النبيلة وغير النبيلة، ففعلت ما فعله آشور بانيبال من قبل عندما كان يعود من البلاد التي يغزوها ويستعمرها بأنواع من نباتاتها ويجتهد بغرسها في عاصمته، بالرغم من أن امبراطوريته كانت تغيب عنها الشمس دون تأخير.
أمّا البريطانيون فلقد جلبوا أنواعاً عديدة من بلاد قصيّة واجتهدوا في تدجينها وتهجينها وغرسها في حدائقهم التي تكاثرت بتكاثر البلاد التي وصل إليها نفوذهم، ومع كلّ هذا بوسعك أن تقول أنها ليست ببلاد زهور وأوراد، ولكن مسرحيات شكسبير تزخر بالزهور وقاموسه منها غنيّ جدا، وبالرغم من قسوة الشتاء الذي لا يرحم، وقصر فترة الربيع، إلا أنها مدة كافية لتزهر أعداد وأنواع لا تُحصى من الزهور، وهي التي قبض عليها شكسبير بكلتا يديه.
في المقابل فإنك إذا ماتوجّهت بالسؤال إلى أي عربي، وخصوصاً عرب شبه الجزيرة عن سرد قائمة بأسماء الزهور، فلا تتوقع أن يسرد عليك أكثر من أصابع اليد الواحدة، أو اليدين في أحسن الأحوال.
وعليك أن تكون متأكداً من أنه سيحصي أزهارا لم يرها في حياته، فالعرب تجريديون في ذاكرتهم لأنها تلتقط الشيء دون أن يكون في مقدورها أن تنسبه إلى شكل أو هيئة محددة.
خطر ذلك كلّه على بالي وأنا أقف أمام لوحة "بوتشيلي" التي صوّر فيها الربيع، ويرى مجموعة من نقاد الفن أنها من أشهر ما تركه لنا الفنان الذي عاش في فلورنسا، وهي تقدّم دليلا على صلته الوثيقة بالأوساط الأفلاطونية المحدثة، فلقد كانت لوحتا الربيع ومولد فينوس باتفاق النقاد ومؤرخي الفن من وحي لورنزو دي مديتشي ابن عم "لورنزو" العظيم.
تنتصب اللوحة في متحف الأوفيتسي بفلورنسا ويفد إليها نحو أربعة ملايين زائر كل عام، صوّر فيها الإله زفيروس (من لفظ زفير) رب الريح وهو يزفر الهواء من أقصى يمين اللوحة، وأما الحورية التي بين يديه تذروها الريح فهي ( كلوريس)، وتظهر فلورا إلهة الربيع مغطاة بالزهور وأما الحسناوات الثلاث من اليمين الى اليسار فهن آلهة الجمال ، والعفة، والمتعة تباعا.
ويظهر الإله مركوريوس رسول عطارد شاباً بعباءة حمراء يقف إلى اليسار يحمل سيفاً، ويرفع يده لتسريع مجيء الربيع. وتتوسط اللوحة الإلهة فينوس إلهة الحب والجمال عند الرومان ويحوم حول رأسها على هيئة طفل مجنّح كيوبيد وهو يصوّب أحد سهامه على آلهات الحبّ وهنّ يرقصن.
وتمثّل اللوحة تعبيراً جلياً عن أعماق فكر عصر النهضة الذي كان مشغولا بكل ما هو حسّي. يرد في سيرة بوتشيلي أنه كان على وشك من أن يتلف أعماله بسبب خطب الشيخ (سافانارولا) والتي هاجم فيها بشراسة الفن والفنانين ونسبهم إلى الوثنية.
تعدّ لوحتا بوتشيلي (مولد فينوس والربيع) علامة فارقة في تاريخ الفن، فهما تفصلان بين عصرين، أحدها كان على وشك أن يولّي الأدبار أما الآخر فهو آت، وأعني بهما ماقبل الرينيسانس وما بعد الرينيسانس.
يشار إلى أنّه بالإمكان تمييز 500 نوعٍ من النباتات في اللوحة، وحوالي 190 زهرة مختلفة. وإنَّ 130 على الأقل من الـ190 نوعاً من الزهور المصوّرة في اللوحة ذات تسميات محددة. والمظهر العام في اللوحة يشبه كثيراً المنسوجات الفلمنكية التي كانت شائعة في ذلك الوقت. وبلا ريب فلوحة الربيع تعد من أكثر اللوحات التي تناولها النقاد دراسة وبحثاً في تاريخ الفن، وقد لا يتقدم عليها في ذلك سوى لوحة الموناليزا.
وأنا أتطلّع إلى ربيع بوتشيلي تذكرت جلسة جمعتني بجدي خليفة-رحمه الله- سألته فيها: هل يوجد عندنا زهور؟ وربما دفعني إلى سؤاله تلك الزهرة التي تظهر على علبة حليب مبستر، ولقد غزت طفولتي لأننا نشأنا على هذا الحليب بالرغم من أنه يعد نوعاً غير صحيّ وفيه نسبة مرتفعة من الكوليسترول، ولاحقا أدركت أن اسمها (كارنيشن). فقال جدي: نعم، ثم أخذ يحصيها عليّ حتى قارب عددها الأربعين زهرة.
ولكن هذه الزهور التي سردها جدي لم أر منها شيئا طيلة حياتي بسبب أنها موسمية وترتبط بالمطر ولا تصمد كثيراً عندما يحتبس عنها.
لقد نشأت في بيئة ليس فيها إلا (الغاف والسمر والحرمل)، وهو الذي اشتقّ اسمه من الحرّ والرمل، لذا فإن وجودي أمام لوحة بوتشيلي شبيه بالوقوف أمام واحة حقيقية، فأنا الذي جاء من جغرافية اللازهر، ومن مفازات طالما ضلّلت من دخل في أحشائها الرملية، إلى #فلورنسا التي استمدت اسمها من إلهة الربيع فلورا
إنها حالة تكثّف فيها الزمن مثلما تكثّف فيها التاريخ والجغرافيا، فأنا الآن في الجهة الأخرى من هذه الصحارى التي تنفتح على بعضها مثل فم عملاق، أو كالمسافر أو العابر الذي انتقل من قحطٍ إلى عدن، أو من قحطان إلى عدنان، وبوتشيلي برباته وأربابه وربيعه جعلني أقف قبالة نفسي وأحصي أشجار طفولتي.

صخرة كابري ومكائد الميناء



 

 
صخرة كابري ومكائد الميناء
في أوبته من باليرمو، كادت سفينة جوته أن تعطب وتتعرّض للغرق عند كابري، التي زرتها من أجل ان ألمّ ببعض عطورها التي تصنّع مما ينبت فيها وحولها من زهور.
وكان الوقت شتاءٍ، فبدت لنا كابري صخرة لا حياة فيها.
تقع جزيرة كابري على الحافة الجنوبية من خليج نابولي.
ووفقاً للمسوح الجغرافية والجيولوجية التي أجريت على الجزيرة،عُرف أنها كانت مدينة مأهولة بالسكان منذ عصورمبكرة، وتم إكتشاف عظام عملاقة منذ الحقبة الرومانية لحيوانات من بيئات مختلفة وأسلحة حجرية استعملها الإنسان الأول الذي استوطنها، وكان ذلك أثناء حفر أسس فيلّا أغسطس, وقد أمر الإمبراطور بأن يتم عرضها في الحديقة الرئيسية بمنزله.
لقد اجتهد الإمبراطور أغسطس في تطوير كابري وتأهيلها فبنى المعابد والفيلات والقنوات، وشجّر ساحاتها لتصبح جنته الخاصة.
ثمّ قام تابريوس خليفته ببناء العديد من الفيلّات في كابري وأشهرها فيلا جوفيس, التي تعدّ أحد أفضل الفيلّات الرومانية التي لا تزال باقية حتى الآن.
كما نقل مقر إقامته إلى كابري عام 27 ميلادي و حكم امبراطوريته منها حتى وفاته عام 37 ميلادي.
دعتني أيدٍ خفية، أو لأقل هاتفا خفيا، إلى زيارة آنا كابري وهي على بعد خمس دقائق فحسب.
وفي آنا كابري دفعتني تلك اليد الخفية ذاتها لأدخل فيلّا من الفلل، والتي لم أجد غيرها مشرّعة ابوابها أمام السياح في فبراير (فصل الشتاء)، فأدركت أنها فيلّا الطبيب السويدي أكسل مونتي، وتُعرف بفيلّا سان ميشيل، وهي من الفيلّات التي يختلف معمارها ومحتوياتها بسبب أنها كانت منزلا للطبيب، ولقد أضفى عليها الكثير من روحه، ووزّع مجموعته الخاصة من القطع الأثرية الرومانية والمصرية في الحديقة وأرجاء المنزل، وهي موجودات ثمينة ونادرة.
تجولت في الفيلّا، وعندما أوشكت على الخروج اقتنيت كتابا باللغة الإنجليزيّة يتحدّث عن الفيلّا من تأليف صاحب المنزل، ثم وقع بصري بغتة على طبعة عربية للرحلة، ولكنّي مضيت عائدا إلى سوريتنو قبل أن يرخي الليل سدوله،وعندما شرعنا أنا وصاحبي بقراءة قصّة سان ميشيل،

Thursday, 20 April 2017

فيزا وفاتحٌ فقد حِصانه



تمّ تكليف الوزير برئاسة الوفد إلى دولة "الأورغواي" تلبية لدعوة وجّهت من قبل حكومتها. وكان الطريق شاقاً وطويلاً، فلقد
اضطروا إلى الهبوط في لندن وتغيير الرحلة مما فاقم التعب.
وعندما بلغوا "الأورغواي" أخيراً، تطلّعوا حولهم بانتظار أن يجدوا أحداً ما في استقبالهم، ولكنهم لم يجدوا ما يشير إلى أن الحكومة
في "الأورغواي" أحيطت علماً بوصولهم، فقصدوا موظّفين في المطار في محاولة للعثور على من يمدّ لهم يد العون
ولكن أحداً من الموجودين لا يتقن اللغة الإنجليزية، ولم يكن الوزير والذين معه يتقنون الأسبانية كذلك.
كانت لحظات عصيبة بعد رحلة قطعوا فيها ثلاث قارات بينهما برازخ من ماء ويابسة، ثم طلبوا مترجماً كحلٍّ أخير حتى لا يتحوّل
التعب إلى نكبة.
وبعد انتظار طويل وصل المترجم، وكان كالفاتح الذي فقد حصانه على باب المطار، فأمسك الوثائق وأخذ يتفرّس فيها وبين لحظة
وأخرى يرفع عينيه ليتطلّع إليهم،
وأخيراً قال لهم بهدوء وهو يعيد الوثائق: الفيزا التي بحوزتكم يا سادة تخص "البارغواي" وليس "الأورغواي".
إنّها معجزة حرف (الباء) بكل تأكيد.
بعد عودة الوزير من تلك الزيارة، وبعد أن سرد الحكاية رفاقه وسط قهقهات الجميع، قال: هل كان بوسع أحدكم أن يعلم بأمر هذه الزيارة ويضحك بمثل هذا النحو لو لم أتكلّم واعترف بخطأي؟ أردت أن أصمت وأترك الأمر للنسيان، ولكن شيئا في داخلي يتحرّك ويحرّكني معه ولا يمكنه أن يصمت.

Tuesday, 18 April 2017

آلْبْرِخْت دورِر- Albrecht Dürer



ندعوكم للتعرف على «آلْبْرِخْت دورِر- Albrecht Dürer» من مشروعنا #متحف_الفنون والتطبيق متوفر على iTunes من خلال هذا الرابط http://art.electronicvillage.org
*فكرة تطبيق #متحف_الفنون تقديم نسخة مبنية على خريطة زمنية لــ (فن الاستنارة) والخاص بالفترة من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر، حيث بدأت فترة الأستنارة كحركة ثقافية في #إيطاليا آواخر العصور الوسطى، وبعدها انتشرت إلى باقي أوربا، وانتهت إلى العصر الحديث، ومادة التطبيق تعتبر كجسر يمتد من العصور الوسطى الى العصر الحاضر. أعدها الشاعر الإماراتي/ #محمد_أحمد_السويدي.

Monday, 17 April 2017

هلاك الوزير ابن مقلة


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=551

يوميات دير العاقول (سيرة أبو الطيب المتنبي)

بقلم: محمد أحمد السويدي
"يوميات دير العاقول" هي مخطوطة عثر عليها أحدهم في مكتبة مهجورة في زاوية من مسجد قديم في المنطقة التي تحمل الاسم نفسه، والتي لقي فيها الشاعر أبو الطيب المتنبي مصرعه. بدت المخطوطة قديمة بالية و مجهولة النسب، و لعل من عثر عليها تبين له بعد جهد، أنها نسخة دقيقة نقلت قبل قرن من الزمان عن أصل دوّنه المتنبي.
«هلاك الوزير ابن مقلة»
بلغني وأنا في طبريّة هذا العام هلاك ابن مقلة الوزير أبي عليّ محمد بن عليّ بن حسن الكاتب صاحب الخطّ المنسوب (خطّاط ابتدع خطّ النسخ)، وقد وزر للخلفاء غير مرّة ثم قطع يده ولسانه، وسجن حتى هلك وله ستون سنة. وممّا شاع أن سبب موت ابن مقلة، أنه أشار على الراضي بمسك ابن رائق فبلغ ابن رائق ذلك، فحبس ابن مقلة ثم أخرج وقطعت يده فكان يشد القلم عليها ويكتب ويتطلب الوزارة أيضاً ويقول: إن قطع يده لم يكن في حد ولم يعقه عن عمله. ثم بلغ ابن رائق دعاؤه عليه وعلى الراضي فقطع لسانه وحبس إلى أن مات في أسوأ حال ودفن مكانه، ثمّ نبشه أهله فدفنوه في مكان آخر، ثمّ نبش ودفن في موضع ثالث. فمن الاتفاقات الغريبة أنه ولي الوزارة ثلاث مرات لثلاثة خلفاء: المقتدر و القاهر و الراضي، وسافر ثلاث مرات ودفن ثلاث مرات. وقيل إنه أقام في الحبس مدة طويلة ثم لحقه ذرب، ولم يكن له من يخدمه، فكان يستقي الماء لنفسه من البئر فيجذب بيده اليسرى جذبة وبفمه جذبة. وممّا أحفظه له بيتاه السائران:
وإذا رأيت فتى بأعلـى رتـبة في شامخ من عزّة مترّفع
قالت لي النفس العروف بقدرها ما كان أولاني بهذا الموضـع
وله أيضاً في ذكر محنته:
ما سئمت الحياة لكن توثّ قت بأيمانهم فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حـتـى حرموني دنياهم بعد دينـي
ولقد حطت ما استطعت بجهدي حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لـذة عـيش يا حياتي بانت يميني فبينـي

عبرةٌ تجري» من مشروعنا «لخولة



«عبرةٌ تجري» من مشروعنا «لخولة».
"كَانَ لزاماً عَلِيّ أَنْ أُوقِظَ شُعَرَاءَنَا مِنْ المُتَصَوِّفَةِ والعذريين، وَالغَزْلُ والتشبيب وَالنَّسِيبُ وَالحُبُّ لِنَقُولَ فِي صَوْتٍ وَاحِدٍ: نَحْنُ أُمَّةٌ عَرَفَتْ #الحُبَّ كَمَا لَمْ تَعْرِفْهُ شُعُوبٌ الأَرْضَ، وَهَذَا دَلِيلِي إِلَيْكُمْ". مُحَمَّدٌ أَحْمَدُ السُّوَيْدِيُّ متحدثا عن سبب إطلاقه مشروع "لخولة".
ندعوكم للاستمتاع بمقطوعة «عبرةٌ تجري»، لــ «علي بن الجهم»، من مشروعنا كتاب (#لخولة365_أنشودة_حب) بصوت الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، كما يمكنكم الاستمتاع ببقية المقطوعات من خلال تحميل تطبيقنا «لخولة»، وهو متوفر على iTunes من خلال الرابط التالي: http://khawla.electronicvillage.ae

Sunday, 16 April 2017

قمر زحل - صالح للحياة


قمر زحل "صالح للحياة"

مقالة كتبها جوناثان آموس، مراسل الشؤون العلمية - بي بي سي، تتحدث عن ومحيط هائل تحت سطح قمر يوروبا التابع لكوكب المشترى وتصفه بأنه المكان الوحيد الذي يعتقد العلماء حالياً أنه يصلح للحياة خارج كوكب الارض، ننشرها لكم ضمن #مختارات_من_الشبكة_العنكبوتية، يرشحها الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي لقراء الصفحة الكرام.
توصل العلماء إلى ملاحظات حديثة مفادها أن القمر الجليدي "إنسيلادوس" التابع لكوكب زحل قد يكون المكان الوحيد في المجموعة الشمسية الذي يصلح للحياة خارج حدود كوكب الأرض.
وتأتي هذه الملاحظات بعد رحلة المسبار كازيني حول هذا القمر الصغير لمسافة امتدت لخمسمائة كيلو متر.
وأثناء الرحلة، جمع المسبار عينات من المياه من أعلى سطح المحيط الموجود على هذا القمر.
ويرجح التحليل الكيميائي الذي قام به المسبار كازيني أن القمر "إنسيلادوس" ينفث أبخرة لسوائل دافئة تشبه إلى حدٍ كبير الأبخرة الموجودة على الأرض، والتي ترتبط بوجود الحياة.
وقال هانتر وايت، الخبير في معهد أبحاث ساوثويست للابحاث في سان أنطونيو بولاية تكساس الأمريكية الذي يشارك في تشغيل المسبار كازيني، لبي بي سي إن "مجرد وجود نظم مائية حرارية لا يمكن أن يكون ضمانا لوجود حياة لكائنات على هذا القمر الصغير، وربما تكون البيئة هناك غير صالحة للحياة. لكن النتائج الجديدة تؤكد ضرورة العودة إلى هذا القمر بمعدات وتكنولوجيا أكثر تطورا تمكننا من إعادة جمع عينات من المياه للحصول على أدلة واضحة على أن الحياة البيولوجية موجودة هناك أيضا."
وأضاف: "متأكدون من وجود كائنات في المحيط الداخلي تحت سطح القمر "إنسيلادوس"، ونحتاج إلى العودة مرة أخرى للتحقق من ذلك."
وتابع متحدثا للبي بي سي: "لا ضير إن لم تكن هناك حياة ؟ ولكن إذا كانت هناك حياة فهذا أفضل. بالتأكيد تود أن تطرح السؤال لأنه من المثير للاهتمام أيضا ألا تكون هناك حياة في ظل هذه الظروف."
ويعتقد أن المحيط الداخلي الذي يجري تحت سطح القمر "إنسيلادوس" يقع على عمق عدة كيلو مترات، ويحتفظ بسيولته اعتمادا على الحرارة الناتجة عن الضغط المستمر بفعل جاذبية القمر التي يكتسبها من زحل.
كائنات دقيقة
وتوصل المسبار كازيني إلى أن للمحيط الموجود تحت سطح قمر زحل قاعا صخريا مكونا من صخور الأملاح والسيليكا التي رصد المسبار وجودها من خلال الأبخرة المتصاعدة.
لكن ما يحاول العلماء التوصل إليه هو ما إذا كانت هناك عملية تحدث في أعماق هذا المحيط لها نظير يحدث على الأرض، وهي عملية التحول السيربنتيني.
فعلى كوكب الأرض، هناك في المحيطات التي تتوسط الكرة الأرضية عملية تتضمن تفاعلا بين مياه البحر والصخور الساخنة التي تصعد لأعلى بفعل حركة المياه والغنية بالحديد والمغنسيوم. وباتحاد أملاح تلك الصخور مع جزيئات الماء تظهر جسيمات بلورية تصدر الهيدروجين وغيره من الغازات التي تستخدمها بعض الميكروبات كمصدر للطاقة من أجل القيام بعملية الأيض.
وكانت هذه إشارة مؤكدة إلى وجود الهيدروجين في محيط "إنسيلادوس"، وهو ما أكده المسبار كازيني.
وقال كريس ماكاي، عالم بيولوجيا الفضاء بوكالة علوم الفضاء الأمريكية (ناسا): "إذا كنت كائنا دقيقا، فسوف يكون الهيدروجين بالنسبة لك كالحلوى، وستكون طعامك المفضل."
وأضاف: "إنه جيد كمصدر للطاقة، إذ يمكنه دعم الكائنات الدقيقة بقوة. ويُعد العثور على الهيدروجين ميزة هامة تضيف إلى الجدل الدائر حول وجود حياة على هذا القمر الصغير."
ويطلق على النوع الذي ذكره ماكاي من الميكروبات" الميكروبات الميثانية" لأنها تساعد على تفاعل الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون.
وكانت وكالة ناسا، المشرفة على عمليات المسبار كازيني، على وشك الإعلان عن وجود الهيدروجين على سطح قمر زحل منذ شهرين بعد انطلاق المسبار الأخير في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2015، لكنها لم تقم بذلك.

وكان سبب امتناع ناسا عن الإعلان عن وجود الهيدروجين على "إنسيلادوس" هو احتمال أن ينتج مطياف الكتلة المحايدة على القمر الصناعي الهيدروجين بداخلها إذا دخلت المياه إلى هذه الأداة بطريقة معينة.
وقضت المجموعة البحثية بقيادة هانتر وايت عاما كاملا في تحليل البيانات للتأكد من أن إشارات الهيدروجين ينتج عن أبخرة المياه الموجودة على القمر وليست نتيجة لتشغيل مطياف الكتلة المحايدة الخاص بالقمر الصناعي. ورغم أن هناك احتمالا بأن تكون إشارات الهيدروجين ناتجة عن عملية التحول السيربنتيني، لا يزال هناك احتمال آخر بأن تكون الأبخرة التي تحمل تلك الإشارات ناتجة عن حرارة شديدة لصخور نيزكية بدائية.
وتقترب مهمة المسبار كازيني من نهايتها. فبعد 12 سنة من الدوران حول زحل، وصل الوقود إلى مستويات منخفضة، ومن ثم يتم إطلاقه في الغلاف الجوي للكوكب الدائري في سبتمبر/ أيلول المقبل للتأكد من تفادي اصطدامه بالقمر إنسيلادوس في وقت لاحق، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى تلوث القمر.
وعلى الرغم من دقة الأدوات التي زود بها المسبار، لم تكن هذه الأجهزة مؤهلة لرصد الحياة البيولوجية على سطح القمر الأبيض الساطع، إذ يحتاج تطوير الأدوات اللازمة لهذا الغرض جيلا جديدا كاملا من مقاييس الطيف، وهو المقترح الذي يعكف الباحثون عليه من أجل إطلاق هذا الجيل الجديد بحلول عام 2026.
وأعطت ناسا الضوء الأخضر لمهمة جديدة إلى يوروبا، وهو محيط في قمر تابع لكوكب المشترى، الذي يعتقد أن به عملية تحول "سيربنتيني، لكن الكتلة الجليدية التي تغلفه أكثر سمكا، ما يقلل إلى حدٍ كبير من كميات المياه التي تخرج منه.
وتعد الميزة التي يتمتع بها القمر إنسيلادوس هي سهولة دراسة سطحه لأن فضاءه محمل بتلك المواد اعتمادا على شبكة من السخانات، فالمسبار لا يحتاج سوى للتحليق وسط الانبعاثات لإجراء الدراسة.

ساحة الورود في حديقة - الريجنت



http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=550

في المقهى المطل على ساحة الورود في حديقة «الريجنت» حيث كان يلذ للصديق الراحل «نزار قباني» الخلو مع الطبيعة، جلست وصاحبي نتبادل أطراف الحديث عن شخصية إنكليزية ألمت بهذه الحديقة الملكية وعشقتها، ولعلها في جولاتها الكثيرة فيها شاهدت ما شاهدنا من كائناتها الجميلة، ولعلها نظمت من وحي ذلك روائعها الخالدة، ورحت أنشد صاحبي رائعة «إليزابيث براوننغ»:
أتدري كيف أحبك؟ دعني أتحرى السبل.
أحبك إلى أقصى ما يمكن لروحي أن تصل من أمداء،
عمقاً.. واتساعاً.. وسمواً...
غداة يتجاوز الشعور حدود البصر
إلى نهايات الكينونة واللطف الإلهي.
أحبك بمقدار حاجة كل يوم...
كأعظم حاجة وادعة لنور الشمس وضوء الشموع.
أحبك بكل حرية، كما يكافح الثوار في سبيل الحق
وأحبك بنقائهم الخالص، وهم يتسامون عن المديح.
أحبك بالآلام المركونة للاستعمال
في أحزاني القديمة، وبكل إيمان طفولتي.
أحبك بكل الحب الذي أتوجس خيفةً أن أفقده
في عداد القديسين الذين فقدتهم. وأحبك بكل ما في حياتي
من أنفاس وابتسامات ودموع. وإذا اختارني الله يوماً
فليس لي إلا أن أحبك أكثر... فأكثر بعد الممات.

Saturday, 15 April 2017

«المتنبي» يزور «بوشهاب»


أثناء جولتنا في «الريجنت» في صباح أنيقٍ ، ذكرت للوالد حكاية زيارتي والصديق/عبد المجيد مجذوب، للشاعر/ حمد بوشهاب -رحمه الله-، في منزله في دبي، وكان من أشد المعجبين به، وقلت سأجعلها مفاجأة سارة له، ولكنني لم أجده في البيت فهاتفته، وقلت له: أنا وأبوالطيّب المتنبي في انتظارك، فسرّ سروراً كبيراً وجاء على وجه السرعة، ولمّا حيّاه عبد المجيد بلهجته اللبنانيّة، طلب منه راجياً الحديث بلسان أبي الطيّب، وأذكرُ أنّ عبد المجيد استأذن الشاعر أن يدخّن عقباً من السجائر، فرد (حمد) عليه بقوله: "لا يجرؤ أحد أن يدخّن - يا عبد المجيد- في هذا المجلس، ولكن لأجل خاطر المتنبي دخّن".
شهد الشاعر حمد بن سوقات لحظات سقوط الراحل (بوشهاب) بل تلقفه بيده عندما أصابته الجلطة وهوى، يقول بن سوقات: "كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً تقريباً، يوم الثامن من أغسطس، عندما وصل بو شهاب إلى قصر الشيخ زايد في جنيف، فسلمنا عليه وجلست معه نتحدث فكلمني عن أحواله، وعن العملية الجراحية التي أجريت له قبل سنوات لتغيير خمسة شرايين في قلبه.. وحمد الله أنه لا يشكو من شيء الآن. ثم ألقى علي قصيدة، وفعلت أنا كذلك، ثم دعينا إلى الحضور لمجلس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فجلست أنا قرب الشيخ تفصلني عنه طاولة، بينما جلس بو شهاب ليس بعيداً عنا، ثم وقف أمام الشيخ وتحدث عن سيرة الشيخ زايد منذ أن كان في العين، وعدد مناقبة وصفاته، واستدل على مواقفه النبيلة بأبيات شعرية كانت من أفضل السير التي سردها بو شهاب ودوّنها، وأظن أنه قرأ قرابة الثلاث صفحات بثبات ومن دون أن يتغير فيه شيء، ورأيته يجمع الأوراق بين يديه، واعتقدت أنّه سيتقدم بها إلى سمو رئيس الدولة، ولكنه وقع فجأة على الطاولة فتلقفته بين يدي وحملته وشعرت كأنّ روحه تفارق جسده، فاجتمع عليه الحضور ومددوه في وسط المجلس، وجاء رجال الإسعاف ودلكوا قلبه فلم يستجب، فاستعانوا بجهاز الصعق الكهربائي فاستجاب، وذهبوا به إلى المستشفى. ويقال إنه أصيب بنوبتين في أثناء نقله وهاجمته الثالثة في المستشفى، فبقي في الإنعاش حوالي عشرة أيام، لم يتحدث خلالها مع أحد حتى انتقلت روحه إلى بارئها في يوم التاسع عشر من أغسطس عام 2002م.
كان الوالد أحمد خليفة السويدي كثيراً ما يردد أبيات حمد بوشهاب من قصيدته في مدح الشيخ زايد -رحمه الله- عندما أعاد بناء سدّ مأرب وأوّلها:
حيّــاك يعـــرب عن بنيه وتبع ** وتحدثت عنـــك الجهــات الأربــع
وبقية الأبيات هي:
فإليــك مـن غرر النفائــس درّة ** عزّت مثيلتهــا على مــن يطمـــع
أوحى الضمير بها فجاءت وفق ** ما يهوى الصديق وفوق ما يتوقع
لا أبتغي من أجلها غُنمــــا ولا ** ثمنـــاً ولا مــالاً يســـاق ويدفــع
فالله أغـنانــا بواســــع فضلـه ** وإلى سحــائب عفـــوه نتطلــــع
يفنى الزمــان بقضّه وقضيضه ** والذكر لا يفنــى ولا يتزعـــزع

الفَرْغ المؤَخَّر



من 16 نيسان (إبريل) إلى 28 نيسان (إبريل)
ندعوكم للتعرف معنا على منزلة «الفَرْغ المؤَخَّر» من مشروعنا الجديد #منازل_القمر كتاب وتطبيق من إعداد الشاعر الاماراتي محمد أحمد السويدي، ونعرض هنا تباعا ًالثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب.
"الفَرْغ المؤَخَّر"، هو "فَرْغ الدَّلو المؤخَّر"، ورابع منازل الربيع، والمنزلة 13 في المنازل اليمانيَّة، وطالعه في السادس عشر من نيسان (أبريل)، ومدَّته ثلاثة عشر يومًا.
ويُعرف عند أهل الحرث والزَّرع بـ "الذِّراع الأوَّل". وأحصى العرب "الدَّلو"، وانتهوا إلى أنَّه أربعة كواكب (نجوم) واسعة مربعة، اثنان منها يُعرفان بـ "الفَرْغ الأوَّل"، والآخران يُطلق عليهما "الفَرْغ المُؤَخَّر". ويقع اثنان من مربَّع هذه النجوم ("المركب" و"الساعد") في كوكبة "الحصان الأعظم"، واثنان ("الجنب" و"سرَّة الفرس") في كوكبة "المرأة المسلسلة".
و"فَرْغ الدَّلو" لغةً هو مصبُّ الماء بين العَرْقُوَتَيْن، كما مرَّ بنا في "الفَرْغ المقدَّم".
قال أبو الطيِّب في بيان المراد من معنى المفردة لغويًا:
طاعِنُ الطَعنَةِ التي تَطعَنُ الفَيـ**ـلَقَ بِالذُّعرِ وَالدَّمِ المُهْراقِ
ذاتُ فَرغٍ كَأَنَّها في حَشا المُخـ**ـبِرِ عَنها مِن شِدَّةِ الإِطراقِ
و"الفَرْغ" هو مخرج الماء من الدَّلو، و"الإطراق" هو النظر إلى الأرض. وهو يصف طعنته بالسعة حتى كأنَّ دمها يجري من فرغِ دلوٍ.
وقال عنترة بن شدَّاد في المعنى ذاته:
بِرَحِيبَةِ الفَرْغَيْنِ يَهْدِي جَرْسُهَا ** بِاللَّيْلِ مُعْتَسَّ الذِّئَابِ الضُّرَّمِ
و"الرحيبة" هي الواسعة. وما بين كل عَرقوتين "فَرْغ"، ومدفع الماء إلى الأودية "فرغ"، فضُرب هذا مثلًا لمخرج الدم من هذه الطعنة، فجعله مثل مصبِّ الدَّلو. و"الجرس" هو الصوت، فيقول: "جرس سيلان دم هذه الطعنة يدل السِّباع إذا سمعن خرير الدم منها، فيأتينه ليأكلن منه".
ولا بدَّ من التأكيد على أنَّ من ذهب إلى القول ببداوة اللغة العربية، وأنها خرجت من محيط صحراوي متقشِّف وزاهد ويفتقر إلى التنوُّع البيئي، ستصيبه الدَّهشة وتنصبُّ عليه انصباب الفَرْغ عندما يجد أن هذا المعجم، على رغم زهده، ترك الأرض وتبوَّأ السَّماء ومنح كواكبها وبروجها لغته وأسماءها.
وفي العلوم الفلكيّة الحديثة، وما أظهرته المراصد والتلسكوبات، تبيَّن أنَّ نجم "الجنب" (Algenib)، في "كوكبة الحصان الأعظم" ((Pegasus، هو أحد أشد نجوم الكوكبة تألُّقًا، قدره الظاهري 2.8، وزمرته الطَّيفيَّة B2 lV، وقدره المطلق 3.4-، أي 1900 ضعف تألُق الشَّمس، ويبعد 333 سنة ضوئيَّة عن الأرض. وأمَّا نجم "سرَّة الفرس" ((Alpherat، ألمع نجوم كوكبة "المرأة المسلسلة" (Andromeda)، فنجم ثنائي طيفيٌّ، قدره الظاهري 2.07، وزمرته الطَّيفيَّة B9p lll، وقدره المطلق 0.7-، أي 153 ضعف تألُّق الشَّمس، ويبعد 79 سنة ضوئيَّة عن الأرض.
وفي الطبيعة والمناخ، يُجَذُّ النَّخل عند نزول "الفَرْغ المُؤَخَّر"، ويُشتار العسل، ويُستحبُّ عرض الخيل للتزاوج. وفيه تُبذر حبوب الصيف، وتُغرس الأشجار المثمرة، ويخضرُّ العشب، وتُسمَّد الأشجار، ويكثر الطَّلع، فيسعى الزرَّاع إلى تأبير نخيلهم. ويوافق هذا النوء حصاد القمح وتقليم أشجار العنب، وتُزرع فيه الخضار الكثيرة، كالفلفل والرِّجلة والقرع والنَّعناع، ومن الفواكه العنب والتِّين والرُّمَّان. وفي أوان ظهور هذا النجم، تهاجر طيور القُمري عائدة إلى مواطنها التي وفدت منها. وفيه تخرج خنافس الليل وجنادبه. ولو كان شاعر الهايكو الكبير باشو، عربيًا، وهو الذى جلس يستمع لصرصرة جندب على قمَّة جبل في شمال اليابان، لترك خلفه كل شيء ولسهر ليله مصغيًا إلى صرير الجنادب.
أمَّا في نهايته، فتحتجب "الثُّريَّا" أربعين ليلة يُطلق عليها "كنَّة الثُّريَّا".
وفي #الإمارات يزهر طيف من النباتات في "الفرغ المُؤَخَّر" منها: "المهتدي"، و"السَّبَط"، و"الجعدة" (اليعدة) وهي التي يُكنَّى بها الذِّئب، و"النيلة"، و"الغاف" أرز عمان، و"النيلة"، و"الحنيظلان"، و"العشرج"، وأبو سريع "العرفج" (وهي كناية لسرعة اشتعال النار فيه)، و"الحلول"، و"السلي"، و"السَّمْر" الذي تعشقه النحل، و"عين الوزَّه"، و"الطرثوث"، و"عشبة أم سالم"، و"شوك الضَّب" الذي تؤرق أشواكه الإبل، و"الغُوَّيف" تبُّولة أهل البادية، و"الحباب" الأبيض القلب والزهر، و"ورد اليبل" (الجبل)، و"الزانون"، و"الحنزاب" وهو اسم يهواه الديك (من أسماء الديك)، وغيرها.
وعند نزول القمر في "الفَرْغ المؤخَّر"، يبدأ موسم "السرايات" المعروفة بأمطار الربيع الغزيرة التي تستمر حتى نهاية نيسان (أبريل)، وسميت بهذا لأنَّها تسري ليلًا والناس نيام، تلك التي كان يعنيها شاعر الإمارات الكبير ابن ظاهر الماجدي عندما قال:
سمعت ابهدهدن في هدو ليل تحايا به اقليب المستهام
كشفت إلحاف مضفي اللفاف نظرته عقب ما طاب المنام
شمالي منكس الجوزا قصاد مغيب الشمس للقبله يمام
ترى هذا مشع أو ذا مفع وساقه مشمعن ساق الظلام
إلى من إضربه عصف الرياح دنا من رعدها عالي النهام
سرى شروى رفيف المطربين مزاره دار شوقي كل عام
وضربتها عصى برق رفوف تخاخا من مغاريه الحزام
وقوله "تخاخا" يعني تداعى واسترخى. وقوله "مغاريه" من قولهم "مغرت في الأرض مغرة من مطر"، وهي المطرة الصالحة.
إن من لا يلمُّ بمنازل القمر، لا يمكنه فك المعنى الخفي الذي أراده ابن ظاهر، وكان يعني "السرايات".
وقال ساجع العرب في "فَرْغ الدَّلو المؤخَّر": "إذا طلع الفرغ، طلب الكلب الوغل، وشبع الفحل"، و"الوغل" هو الشرب، و"شبع الفحل" لوفرة الأكل فلم يرعَ.
قال ابن الأبَّار البَلَنْسي:
مَرَرْتُ بِأَطْلالِ الأَحِبَّة باكِيًا فَدَهْدَهَ مَطْلُولُ الدُّمُوعِ بِها المَرْوَا
وَقَدْ كانَ أَخْوَى النَّجْمُ واحتَبَسَ الحَيا فَشَكْوًا لِسَيْلٍ مِنهُ يُرعِبُ مَنْ أَخْوَى
وَلَو أَنَّ لِلسُحْبِ السِّفاحِ مَدامِعِي لَما أَبْصَرُوا مِنْها جَهَامًا وَلا نَجْوَا
كأَنَّ دِلاء مِنْ جُفونِيَ أُفْرِغَتْ فَلا نُكْر إنْ لَمْ يَعْرِفُوا الفَرْغَ وَالدَّلوَا
وقال أبو العلاء المعرِّي:
فلا الثُّرَيَّا بجُودِها ثَرِيَتْ أرضٌ ولا الفَرْغُ مُخْضِلُ الوَذَم
وحُوتُها جائِلٌ على ظمَأٍ في ناضِبِ الماء غيرِ مُلْتَطِم
وقال الشريف الغَرناطي:
وذي فلكٍ ما دارَ إلا قضى بأن يُعادَ إلى الروضِ الشبابُ جديدا
تجودُ بنوءِ الفرغِ فيه كواكبٌ فتَسقي وهادًا ريُّها ونُجودا
إذا الكوكبُ المائيُّ مِنهُنَّ قُورنت به أنجمُ الأزهارِ كُنَّ سُعودا
وقال الطِّرِمَّاح:
ظَعائِنُ شِمنَ قَريحَ الخَريف مِنَ الأَنجُمِ الفَرغِ وَالذَّابِحَهْ
فَأَبرَقنَ بَرقًا فَحَنَّ المَطِيُّ لِرَمزِ عَوارِضِهِ اللّامِحَهْ
وَأَزعَجَهُنَّ اهتَزامُ الحُداة كَجَلجَلَةِ القَينَةِ الصَّادِحَهْ
وقال لسان الدين بن الخطيب:
ولله من مُلكٍ سَعيدٍ ونصبةٍ قَضى المشتري فيها بِعُزْلةِ كِيوانِ
وسجل حُكمُ العدلِ بين بيوتِها وقوفًا مع المشهورِ من رَأْي يونانِ
فلم تخشَ سهم القوس صفحةُ بدرِها ولم تشكُ فيها الشَّمسُ من بِخْسِ مِيزانِ
تَولَّى اختيارَ اللهِ حسنُ اخْتِيارِها فلمْ يَحْتَجِ الْفَرغانِ فِيها لِفرغانِ
ولا صرفت فيها دقائقُ نِسْبَةٍ ولا حقَّقتْ فيها طوالِعُ بُلْدانِ
وقال الوزير المغربي:
وبعد ذو أخبيةٍ خُنْسٍ قصيراتِ الطُّنُبْ
كجؤجؤِ البطَّةِ مَعْ مِنقارِها إذا انْتصبْ
وأَسْفَرَ الفرغانِ عن أربعةٍ من الشُّهُبْ
كأنها أركانُ قَصـ ـرٍ عِزُّهُنَّ قَدْ خَرِبْ
وكتب إخوان الصَّفا عند نزول القمر في "الفَرْغ المؤخَّر": "اعملْ فيه الطلسم، ولا تدبِّر فيه الصَّنعة، ولا تدعُ فيه الدعوة، وعالج فيه من الروحانيات، وادخل فيه على الملوك والأشراف، وحارب فيه، وسافرْ، وازرعْ فيه ولا تكتَلْ غلَّتك فيه، فإنَّ من اكتال غلته في هذا اليوم يعقبه من السلطان غرم ويذهب ثمنها. ومن ولد في هذا، إن كان ذكرًا كان مشؤومًا محدودًا محارفًا متهتِّكًا، خبيث الدخيلة، سيئ السيرة، مذمومًا عند الناس، وإن كانت أنثى كانت ميمونة سعيدة، محبَّبة حظيَّة عند الرجال".
ولأنَّ نجم "الجَنْب" ونجمُ "سرَّة الفرس" (الفَرْغ المؤخَّر) من كوكبة "بيغاسوس" Pegasus، كما سلف القول، تحكي الأساطير الإغريقية إنَّ "بيرسيوس" Perseus، ابن الإله "زيوس"، كان أوَّل من امتطى البراق (الفرس الأعظم "بيغاسوس")، وقصد في إحدى المرات سواحل إفريقيا لينقذ الأميرة الأثيوبيَّة الحسناء "أندروميدا" Andromeda (المرأة المسلسلة) من براثن الوحش "سيتوس" Cetus. ولقد تمكَّن في نهاية الأمر من تخليصها للمرة الأولى، ذلك أنَّ هناك مرة أخرى، ستكون فيها "أندروميدا" مهددة بوحش من نوع آخر، وحش كوني على هيئة مجرَّة عِملاقة اسمها "درب التِّبانة". وللمصادفة، سيكون على "بيرسيوس" هذه المرَّة أن يخلِّصَ "أندروميدا" من نفسه، إذ رصد المرقب العملاق "هابل" موعدًا دقيقًا لاصطدام المجرَّتين ببعضهما. فبفعل جاذبيتهما الهائلة، فإنهما ينهبان الفضاء نهبًا باتجاه بعضهما بسرعة نحو 400 ألف كيلومترٍ في الساعة الواحدة. لكن سيكون بوسع "المرأة المسلسلة" أن تعيش أربعةَ مليارات سنة قبل أن يهبَّ "بيرسيوس" لإنقاذِها مرَّة أخرى من الاصطدام.
#محمد_أحمد_السويدي
#منازل_القمر