Monday, 29 May 2017

تحية من الهقعة


كان لاستغراقي طيلة السنوات الماضية في تأليف كتاب "منازل القمر" سواء في التنقيب عن مادته بين مئات الروايات والمصادر بين تدوينية أو شفاهية، كما كان للهوى الذي أضمره لعلم الفلك، مضافا إلى ذلك شغفي بالرياضيات والفيزياء، كان لذلك كله أثره في تمكيني من القبض على المسافات التي بيننا وبين الكواكب والنجوم والمجرات.
وفي هذا المضمار تنحسر القياسات المعروفة وتذوب لتبدأ قياسات من نوع آخر تستوجبها المسافات الفلكية الهائلة، فمثلا، نعلم أن المسافة التي يقطعها الضوء تبلغ 300 ألف كم/ثانية، بمعنى آخر إذا اردنا تطبيق ذلك عمليا من خلال حوار ينشأ بين رائد فضاء على سطح القمر والمراقبين على سطح الأرض، 



فإن درجة تأخير الصوت ستكون 1,3 ثانية، أما إذا كان رائد الفضاء على محطة تبعد عن الأرض ذات المسافة التي تفصلنا عن الشمس والتي تبلغ 150 مليون كم، فإن الصوت سيبلغنا عندما نتبادل التحية معه 8 دقائق ذهابا ومثلها إيابا.
أما إذا كانت المسافة التي تفصلنا عن الرائد هي ذات المسافة التي تفصل الأرض عن كوكب بلوتو (في أبعد نقطة له من الشمس) أي على بعد 6 مليارات كم، فسيقتضي الأمر أربع ساعات ونصف الساعة، ليسمع تحيّتي، ومثلها ليردّ التحية.
أي أن زمنا ً مقداره تسع ساعات سينقضي قبل أن نتبادل التحايا.
أما إذا تركنا المجموعة الشمسية وقصدنا أقرب نجم، واسمه (قنطروس الأقرب-بركسيما قنطورس) وهو على بعد أربع سنوات ضوئية، فسنحتاج إلى ثماني سنوات لنتأكد من أنه سمعنا...
أما في الهقعة، والتي تُعدّ أبعد النجوم في تقويمنا العربي الشمسي "منازل القمر"، حيث تفصلنا عنها مسافة تقرب من 1100 سنة ضوئية، فسيقتضي الأمر 2200 سنة لندرك أن حياة تدبّ هناك. وإذا افترضنا وجود كائنات أو حياة هناك، فإن من يكون في كوكب عند الهقعة سيرى ماضي الأرض، وتحديدا سيرى زمن أبي الطيب المتنبي، الذي سيكون قد ولد منذ عامين قي الكوفة، بل وسيكون بوسع الراصد من الهقعة إذا وجّه منظاره أن يبصر أبا الطيب وقد فرغ توّاً من تعلم المشي (ولد عام 915م).
والأمر ذاته سيحدث معنا عندما نتطلّع إلى الهقعة، فنحن في الحقيقة نرى ماضي الهقعة كما كانت عليه قبل 1100 سنة.
أما إذا ألقى شخص أو كائن ما التحية من طرف مجرة درب التبانة (مجرتنا)، فلن يكون في وسعنا سماع الرد قبل مرور 240 الف سنة، لأن عرض المجرة يقتضي سفر الضوء 120 ألفا من السنين.
لقد أتقن هابل ضبط عدساته العملاقة ليخترق النجوم وراء حزام الجبار، والجبار كوكبة تصوّرها الناس على هيئة رجل عملاق في نجوم درب التبانة، ولكنّ هابل ببصره الحديد، توغّل أبعد من ذلك بكثير، ولمح مجرات على بعد 30 مليون سنة، ثم شرع بقياس حركتها وسرعتها وهي تواصل ابتعادها، وعندما انتهى من قياس سرعتها وهي تبتعد ، مكّن ذلك الفيزيائيين والرياضيين من قياس عمر نشأة الكون وذلك من خلال قلب الحركة عكسيّا، فتوصّلوا إلى عمر دقيق لولادة الكون، وتمّ تقديرها بـ 13.7 مليار سنة، بهامش يحتمل الزيادة والنقصان يبلغ ± 0.2 مليار سنة.