Sunday, 16 July 2017

منزلة الهَنْعَة


|| #محمد_أحمد_السويدي || #منازل_القمر || #الهنعة
من: 16 تموز (يوليو) – 28 تموز (يوليو)
أدعوكم للتعرف على «منزلة الهَنْعَة» من مشروعنا المتجدد #منازل_القمر ، والذي يعرض للتقويم الذي اعتمد عليه أجدادنا حتى وقت قريب. وهو جزء من كتابي الجديد «منازل القمر» يصدر قريباً، ويضم الثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب. استغرقت طيلة السنوات الماضية في تأليفه والتنقيب عن مادته بين مئات الروايات والمصادر بين تدوينية أو شفاهية، يدفعني الهوى الذي أضمره لعلم الفلك، مضافاً إليه شغفي بالرياضيات والفيزياء، كان لذلك كله أثره في تمكيني من القبض على تفاصيل كثيرة تربط بين المكان والزمان والمناخ وطبائع الناس ورسائل إخوان الصفا وأساطير الإغريق وحكايات العرب وأشعارهم.
_______________________
"الهَنْعَة" هي ثاني أنواء "الجوزاء"، والمنزلة الرابعة من منازل فصل الصيف، وتسمَّى "منكب الجوزاء"، أو "الجوزاء الثانية"، وطالعها في السَّادس عشر من تمُّوز (يوليو)، ومدَّتها ثلاثة عشر يومًا.
و"الهَنْعَةُ" في اللغة سمةٌ في منخفَض العنق، فيقال "نعامةٌ هَنْعاء" عندما يكون في عنقها التواء. و"أكمةٌ هَنْعاءُ"، أي قصيرةٌ.
ومن كواكب "الجوزاء" ثمة "الناعقان"، أحدهما رِجلها اليسرى، وهو الذي يُسَمَّى "الهَنْعة"، والآخر في منْكِبها الأيمن، وهما أكثر كوكبيْن التماعًا في "الجوزاء". وأَصلُ النَّعيق هو الصِّياحُ، فـ "النَّاعِقان" هما الكوكبان المضيئان من "الجوزاء" لأنهما كالرَّاعييْن الصائحيْن بالغَنَم.
وأمَّا في العلوم الفلكية الحديثة ومكتشفاتها وما رصدته المراصد والمناظير الفضائية، فـ"الهَنْعَة" (Alhena) ثالث نجوم كوكبة الجوزاء تألُّقا في سمائنا الليليَّة. يبلغ قدره الظاهري 1.9، وزمرته الطَّيفيَّة A1 lV، أي يبلغ تألُّقه 123 ضعف تألُّقِ الشَّمس، وضعف درجة حرارة سطحها، أمَّا كتلته فـ 2.8 كتلة الشَّمس، وقطره 3.3 قطرها، ويبعد 109 سنة ضوئية عن الأرض.
وينعكس طلوع "الهَنْعَة" على الطبيعة والمناخ، بارتفاع الحرارة، فهي أشدُّ أيَّام السَّنة حرارةً. وفيها موسم "الباحورة" (كما يسمِّيها أهل جنوب العراق) التي تكون في أوَّلها، وتستمرُّ ثمانية أيَّام تشتدُّ خلالها الرطوبة في المناطق الساحليَّة، وتقلُّ الرِّياح وتهدأ، وكما رسخت التقاليد، يبدأ في الخليج موسم الغوص. ويُنصح في "الهَنْعَة" بالإكثار من ريِّ المزروعات، وهي آخر زراعة القيظ، ومنها الملوخيَّة والذرة والبطِّيخ والشمَّام والباذنجان والذرة والقِثَّاء والكوسا والقرع والثوم، كما تكون فيها وفرة في أنواع الرُّطَب، وينضج العنب ويحمرُّ ويطيب أكله. وتشرع فيها طيور الكراكي (الغرانيق) بالقدوم. وبانتهائها يبدأ باطن الأرض بالبرودة.
وفي "الإمارات" يزهر طيف من النباتات في منزلة "الهَنْعَة" منها: "الحَبْن" (الدِّفْلى) الذي يزيِّن مجاري السُّيول، و"شوك الضَّب" ذو الوردة المخادعة، و"الحرمل" الذي فيه شفاء للناس، و"الأشخَر" ذو اللبن الزُّعاف، و"الصُّفَيْر"، و"الخرز" المتعطش للملح، و"شوك اليمل" (الجمل) أو العاقول، و"الأسل" (السلي) الذي تُشَبَّهُ باستقامته الرِّماح، و"اللَّثَبْ" مأوى من لا مأوى له من العصافير، و"العرفج" (أبو سريع)، و"الحمرة"، وغيرها.
يقول ساجع العرب: "إذا طلعت الهَنْعَة، رجعت الناس عن النُّجعة" (مكان الكلأ). وقال أيضًا: "إذا طلعت الهَنْعَة، تحمَّل الناس للقلعة، وأدرك البُسْرُ والتين" (والبُسْرُ هو الرُّطَب الأخضر).
من أجود ما قيل في" الجوزاء" من الشعر القديم، قول كعب الغنوي:
وقد مالت الجوزاءُ حتَّى كأنَّها فَسَاطِيطُ ركْبٍ في الفلاةِ نُزولُ
وقال ابن ماجد:
وَضِدٌّ لِنَسرٍ وَاقِعٍ هِيَ هَنْعَةٌ فَإن تَرَهُ في الشَّرقِ طَالِع تَحَقَّقِ
(يريد: إذا طلع النَّسر الواقع في المشرق، فـ"الهَنْعَة" تكون على وشك المغيب).
وقال ابن أبي حصينة:
طَلَبُوا لَحاقَكَ في العَلاءِ فَقَصَّرُوا وَسَبَقتَ سَبقَهُمُ إلى العَلياءِ
قَعَدُوا وَقُمتَ بِما حَمَلتَ مِنَ العُلى وَقَعَدتَ فَوقَ كَواكِبِ الجَوزاءِ
وقال ابن الرومي:
وكأنها في الكأس شمسٌ قارنتْ بُرْجَ الهلال فهلَّ بالأضواءِ
نظم الحبَابَ على شقائقِ أرضها نثرُ اللآلئ من ندى الأنواءِ
لَمْ أدْرِ هل أبدتْ حَبابًا زاهرًا أو عكسَ نورِ كواكب الجوزاءِ
وقال أيضا:
وهو الذي أدنى مواطئه فوق الذي سميت والهنعة
وقال ابن خفاجة:
وسَرى فَجَلَّى لَيلَ كُلِّ مُلِمَّةٍ قَمَرُ العَلاءِ وَأَنجُمُ الآراءِ
مِن مَنزِلٍ قَد شَبَّ مِن نارِ القِرى ما شابَ عَنهُ مَفرِقُ الظَّلماءِ
لَو شِئتُ طُلتُ بِهِ الثُرَيّا قاعِدًا ونَشَرتُ عِقْدَ كَواكِبَ الجَوزاءِ
وقال إبراهيم بن محمد المعروف بابن دنينير:
البيت يهوى أن يراك تزورَهُ فرحًا بكم والركنُ والبطحاءُ
والخمرُ عادت مُذْ هجرتَ كؤوسَها مربَّدةً فكأنَّها سوداءُ
كيفَ الهناءُ ولم يَلِقْ بِكَ مَنْزلٌ في الأرضِ لكنَّ السَّماءَ بِنَاءُ
ولو ان أحجارَ البناءِ كواكبٌ لَمْ تُرْضِكُمْ ولو انَّها الْجوزَاءُ
وللشيخ محي الدين بن عربي في النجوم:
نطحَ الغَفْرُ بُطيْنًا زَابِنًا والثُّريا كُلِّلَتْ بِالأُفُقِ
دبَّر القلبُ بِهَقْعاتٍ عَلى شَولةٍ طالِعَةٍ بِالمشْرِقِ
هَنعةُ الأنعامِ في أفلاكِها ذَرعت بلدَتها في الغَسَقِ
نَثرةُ الذابحِ للطَّرْفِ رأتْ بُلَعًا يَشكو كَمِينَ الحُرَقِ
جبهةُ السَّعدِ إذا ما زَبَرَتْ عِلْمُها وَسْطَ خِبَاءٍ أزْرَقِ
صَرفَ المقدمُ عَوَّاءً لهُ مُؤْخَرٌ يُثْقِلَهُ فِي الطُّرُقِ
وَسِمَاكٌ سَبَحتْ أَرْجُلُهُ كَرِشاءٍ طالِعٍ كالزَّورَقِ
وقال أيضًا:
هَقْعَةٌ قَدْ عَوَتْ لَها شَوْلةٌ جِسْمُهَا نَتَا
هَنْعَةٌ في سِماكِها وَالنَّعائِم صَوَّتَا
ومن بديع التشبيه، قول الأرَّجاني في غلامٍ يلعب بالدبوق:
يهتزُّ مثلَ الصَّعْدَةِ السَّمراءِ فقدُّهُ من شِدَّةِ التواءِ
كالغصنِ تحت العاصفِ الهوجاء تراهُ من تمدُّدِ الأعضاء
(و"الدبوق" كرة شعر تُرمى في الهواء، ثم يتلقاها الغلام ضاربًا لها تارة بصدر قدمه، وتارة بالصَّفح الأيمن من ساقه اليمنى، رادًّا إياها إلى العلوِّ على الدوام).
كتب إخوان الصَّفا في رسائلهم عن طالع "الهَنْعَة" عند نزول القمر فيها: "فاعملْ فيه نِيرَنْجات العطف والمحبة والمودَّة، ودخِّن فيه الدُّخن، واحلل السُّموم، واعمل الطلسمات، ودبِّر فيه الصَّنعة، وادعُ فيه الدعوة وادخلْ فيه على الملوك واسعَ في حوائجهم، واتصل بالإخوان، واستفتحْ فيه بالأعمال، وتزوَّج، واشترِ فيه الرَّقيق، وازرعْ واحصدْ واغرس، واكتلْ غلَّتك، وسافر، فإنَّ ذلك محمود العاقبة، نافذ الروحانية، باقي الزكاء والبركة. ومن ولد في هذا اليوم، إن كان ذكرًا كان حسن السِّيرة محمودًا في الناس، وإن كانت أنثى كانت حظيَّة عند الناس، حريصة عليهم، فاجرة، مستورًا عليها ذلك".
ولأنَّ "الهَنْعَة" في كوكبة الجوزاء، زعمت عجائز الإغريق أنَّ الأميرة "هيلينا" Helen، ابنة ملك اسبارطة "تنداريوس" Tyndareus، كانت أجمل نساء العالم. وعندما حان وقت زواجها، وفد الملوك والأمراء بهدايا عظيمة لطلب يدها. وكان من بين المتنافسين "أوديسيوس" Odysseus، و"اياكس الكبير"Ajax the Greater ، و"ديوميديس" Diomedes، و"أخيل" Achilles، و"أغاممنون" Agamemnon. ولأمر غامض، فضَّلت "هيلينا" على الخاطبين "مينيلوس" Menelaus. وبعد زواجهما، حلَّ "باريس" Paris الطروادي ضيفًا على الزوج، وخطف الزوجة. وتقول عجوز: "لا، بل إنَّ الأميرة هي التي فرَّت مع عشيقها من زوجها الثقيل". واستعرت الحرب (حرب طروادة) بعد ذلك عشر سنين.
وزعمت عجوز أخرى أنَّ "ليدا" Leda زوجة الملك "تنداريوس" ووالدة "هيلينا"، حبلت من "زيوس" الذي تنكَّر لها في صورة بجعة، وأنَّها وضعت، على حدِّ زعمها، بيضتين، فقستا) ) عن أميرين هما "كاستور" Castorو"بولكس" Pollux(الجوزاء). وقالت عجوز ثالثة: "كان كاستور ابن الملك الفاني، وكان بولوكس ابن الإله الخالد". وقيل إنَّه لمَّا قُتِلَ "كاستور"، سأل "بولوكس" أباه "زيوس" ألَّا يُفَرِّقَهُمَا، فرفعهما إلى السَّماء معًا في كوكبة تحمل اسم "الجوزاء" إلى يومنا هذا.