Wednesday, 5 July 2017

محادثات مع غوته


بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، قامت « #القرية_الإلكترونية » بترجمة يوميات من حياة شاعر ألمانيا الكبير "#جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة «غوته Goethe»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
---------
محادثات مع غوته - تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية: «جون أوكسنفورد»
ترجمة من الإنجليزية: «عمار جمال»
-----
الجزء الرابع
---------
الثلاثاء، 27 يناير، 1824.
تحدث جوته معي عن الاستمرار في كتابة مذكراته، التي تشغل وقته وجهده في الوقت الحالي. وأورد ملاحظة بخصوص أنَّ الفترة الأخيرة من حياته لن تروي بمثل الدقة التي سرد فيها أزمنة الشباب في مذكراته التي جاءت بعنوان "من حياتي: الشعر والحقيقة". وقال: "عليّ مُعالجة هذه الفترة في وقت لاحق بصورة أكثر بأسلوب سجلات الأحداث: بحيث تظهر أفعالي نحو الخارج أكثر من حياتي الداخلية. إنَّ الجزء الأهم من حياة الفرد هو ذلك الخاص بتطوره الذاتي، وقد لخَّصتها في مجلدات مفصلة في "من حياتي: الشعر والحقيقة". بعدها يبدأ الصراع مع العالم، والتي تثير الاهتمام فقط في نتائجها.
"ثم ما هي حياة المثقف الألماني؟ فما قد يكون جيداً بالفعل في حالتي لا يمكنني مشاركته، وما يمكن مُشاركته لا يستحق العناء. إلى جانب ذلك، أين يوجد المُستمعون الذين قد يشعر المرء معهم بالرضا؟
"عندما أعود إلى الفترات الأولى والوسطى من حياتي، والآن في سن الشيخوخة، أفكّر في عدد قليل من أولئك الذين قضوا معي الطفولة، ودائماً أفكّر في الإقامة الصيفية في أماكن الاستحمام. عند وصولك، يمكنك خلق تعارف وأصدقاء من أولئك الموجودين بالفعل في المكان منذ حين، والذين سيغادرون في غضون أسابيع قليلة. الخسارة مؤلمة. ثم تتحول إلى الجيل الثاني، الذي تعيش معه فترة جيدة، وتكون أكثر حميميّة. ولكن هذا الجيل يمضي أيضاً، ويتركنا وحيدين مع الجيل الثالث، الذي يأتي في اللحظة التي نقرر فيها الذهاب، والذي ليس لدينا أمرٌ ذو شأن يجمعنا معه.
"لقد سبق أن كنتُ ممن يبتسم لهم الحظ، حيث لم أشك أو أجد خطأ ضمن مسار حياتي. ولكن في الحقيقة، لم يكن هناك سوى الكدح والرعاية، ويمكنني القول إنه خلال سنوات حياتي السبعين لم أملك شهراً من الراحة الحقيقية، لقد كانت حياتي مثل حجرٍ يتدحرج باستمرار، حيث كان عليّ دائماً النهوض من جديد. سوف أقدّمُ ملاحظات واضحة عما أقوله الآن في سجل أحداث حياتي الذي أقوم بتدوينه. فقد كانت الادعاءات المتعلقة بنشاطي، من الداخل أو الخارج، كثيرة جداً.
"كانت سعادتي الحقيقية تكمن في تأمل الشعر وإنتاجه. ولكن كيف كانت ظروفي الخارجية تشوشه، وتحدّ منه، وتعيقه! لو تمكنتُ من الامتناع عن الحياة العامة، والعيش أكثر في العزلة، كنتُ بالضرورة سأكون أكثر سعادة، وكنتُ لأنجز كشاعر أكثر مما قمتُ به بكثير. ولكن، بعد فترة وجيزة من كتابة مسرحية "غوتس فون برليشنغن" ورواية "آلام فرتر"، تحقَّقتْ لي الحكمة القائلة- ’إذا فعلت أي شيء من أجل العالم، سوف تحذر بشدة من فعل ذلك لمرة ثانية‘. 
"إنَّ الشُهرة واسعة الانتشار، والمكانة السامية في الحياة، هي أشياء جيّدة، ولكن، بالنسبة لمكانتي الاجتماعية وشهرتي، ما زلتُ مضطراً إلى أن أكون صامتاً حيال رأيي في الآخرين، ولا يجوز لي القيام بإطلاق إساءة. لن يكون هذا سوى أمرٍ مُثبطٍ للهمم، إن كان يعني أنني لا أملك أفضلية تعلُّم أفكار الآخرين دون أن يكونوا قادرين على تعلُّم أفكاري".
الأحد، 15 فبراير، 1824.
هذا المساء دعاني غوته لممارسة المشي قبل تناول وجبة الغداء. وعندما دخلتُ الغرفة وجدتُه يتناول وجبة الإفطار: بدا سعيداً وفي حالة ممتازة.
"لقد حظيتُ بزيارة ممتعة"، قال مبتهجاً. "قبل قليل كان معي شابٌ واعدٌ من ويستفاليا، اسمه ماير، يكتب قصائد تنبيء بآمال عالية، إذ حقّق تقدماً لا يُصدَّق وهو لا زال في سنّ الثامنة عشر.
"سعيدٌ أنا"، واصل حديثه مبتسماً "، إذ لستُ في عمر الثامنة عشر الآن. عندما كنتُ في الثامنة عشرة، كانت ألمانيا في سن المراهقة أيضاً، وكان يمكنك القيام بإنجاز شيٍء ما. أما الآن، فقد يتطلب الأمر صفقة كبيرة، وفي الوقت نفسه يتم حظر كل سبيل.
"ألمانيا نفسها تقف عالية جداً في كل جانب منها، حيث بشق الأنفس نملك قدرة دراسة كل ما أنجزته؛ والآن يجب أن نكون يونانيين ولاتينيين، وإنجليزًا وفرنسيين ضمن مساومة جامعة. ليس هذا فحسب، فلدى البعض ولع مجنون في الإشارة إلى الشرق أيضاً؛ وبالتأكيد هذا يكفي لإرباك عقل كًلّ شاب!
"ومن باب المواساة، جعلتُه يرى تمثال رأس الألهة جونو الهائل، كعلامة على ضرورة تمسُّكه بالإغريق، والعثور على السلوى هناك. إنه شاب جيّد، وإذا استطاع الاعتناء ونجح في عدم تبديد طاقاته، فسيكون له شأن. ومع ذلك، كما قلتُ من قبل، أشكر السماء أنني لست يافعاً في هذا الزمن الذي بلغ اكتماله. لم أكن لاستطع البقاء هنا. وحتى في حال لجأت إلى أمريكا، فسأكون قد تأخرتُ كثيراً، إذ لا وجود لكثير من الضوء حتى هناك".
الأحد، 22 فبراير، 1824.
تناولتُ وجبة العشاء مع غوته وابنه. قصّ علينا هذا الأخير بعض القصص الشيِّقة عن الفترة التي قضاها طالباً في هايدلبرغ. حيث كان يقضي كثيرًا من أوقات إجازته مع أصدقائه في رحلة على طول نهر الراين، وسرد لنا على وجه الخصوص عن ذكرى عزيزة مع صاحب منزل، قضى في منزله وعشرة طلاب آخرين إحدى الليالي، حيث قدَّم لهم النبيذ مجاناً، فقط لمجرد أنه شاركهم بهجة حفل طلابي لتناول الكحول "commerz".
بعد العشاء، عرض علينا غوته بعض الرسومات الملونة لمناظر إيطالية، وخاصة من شمال إيطاليا، مع الجبال السويسرية المجاورة، وبحيرة لاغو ماغيور. كانت الجزر البوروميانية تنعكس على صفحة الماء. وبالقرب من الشاطئ توجد قوارب وأدوات صيد الأسماك، مما دفع غوته إلى القول إنَّ هذه هي البحيرة المذكورة في روايته "سنوات تجوال فلهلم". في الشمال الغربي، ناحية مونتي روزا، وقفت التلال المتاخمة للبحيرة في شكل كتل كثيفة سوداء مع مسحة زرقاء خفيفة، مثلما نراها في الوقت الذي يتلو غروب الشمس مباشرة.
أبديتُ رأيي، أنه بالنسبة لي، أنا الذي وُلِدتُ في السهول، فإنَّ المهابة الكالحة لهذه الكُتَل وَلَّدت لدي شعوراً بعدم الارتياح، وأنني لا أرغب أبداً في استكشاف مثل هذه الخبايا البريّة.
"هذا الشعور هو أمرٌ طبيعي"، قال غوته. "إنها الحالة الوحيدة المناسبة للإنسان الذي ولد ضمنها ومن أجلها. كُلّ من لا تدفعه الأشياء العُظمي للسفر، سيكون أكثر سعادة بكثير في المنزل. في البداية، لم تترك سويسرا انطباعاً كبيراً لديَّ، بل جعلتّني مشوشاً ومضطرباً. فقط بعد زيارات متكررة- فقط بعد سنوات، عندما زرتُ هذه الجبال لمجرَّد دراسة معادنها- تمكَّنتُ من الشعور بالراحة فيها".
نظرنا بعد ذلك، في سلسلة طويلة من الصفائح النحاسية، للوحات فنانين حديثين في واحدة من صالات العرض الفرنسية. كانت الابتكارات التي تطرحها هذه اللوحات تشترك تقريباً في أنها ركيكة، ومن بين الأربعين قطعة، وجدنا بالكاد أربعة أو خمسة جيدة. مثل فتاة تُملي رسالة حُبّ؛ امرأة في منزل إيجار، لن يتخذه أحد للسكنى. "اصطياد سمك"؛ "وموسيقيين يقفون قبالة لوحة مادونا. لم تكن المناظر الطبيعية المرسومة بأسلوب نيكولا بوسان سيئة: وعند تمعُّنه في هذه المناظر، قال غوته " لقد أخذ هؤلاء الفنانون فكرة عامة عن مناظر بوسان الطبيعية، واشتغلوا عليها".
لا يمكننا وسم صورهم بالجيدة أو السيئة: فهي ليست سيئة، حيث، من خلال النظر لكل جزء، يمكنك التقاط لمحات من نموذج ممتاز. ولكن، لا يمكنك الجزم بجودتها، لأنَّ الفنانين يريدون عادة الميزة الشخصية الكبيرة من فنّ بوسان. وهذا يشابه ما يحدث بين الشعراء، حيث، على سبيل المثال، يوجد أولئك الذين من شأنهم خلق بنية غاية السوء على نمط شكسبير الجليل". 
انتهينا، بعد الدراسة والتحدُّث لفترة طويلة، بتمثال روخ لغوته، الذي صنعه لأجل مدينة فرانكفورت.
الثلاثاء، 24 فبراير، 1824
ذهبتُ إلى غوته في تمام الساعة الواحدة من نهار هذا اليوم. حيث أراني بعض المخطوطات التي كان قد كتبها للعدد الأول من المجلد الخامس من "عن الفن والعصور القديمة". ووجدتُ أنه كتب تذييلاً لكتابتي النقدية عن "باريا الألمانية"، في إشارة إلى كل من المأساة الفرنسية وثلاثيته الغنائية، وبهذا كان الموضوع، إلى حد ما، مُكتملًا.
"لقد كنتَ على حق تماماً"، قال غوته: "للاستفادة من فرصة كتاباتك النقدية، في التعرّف على المسائل الهندية، طالما، في النهاية، نحن نحتفظ من دراستنا فقط بتلك التي نعمل على تطبيقها عملياً".
وافقتُه الرأي، وقلتُ إنني قد خضتُ هذه التجربة في الجامعة، حيث بين كُلّ ما قيل في المحاضرات، كنتُ قد احتفظتُ فقط، بقدر استطاعتي، من خلال ميل طبيعتي، بما يملك تطبيق عملي. وعلى العكس من ذلك، كنتُ قد نسيتُ تماماً كل ما كنتُ غير قادر على اخضاعه للممارسة. ''سمعتُ محاضرات هيرين حول التاريخ القديم والحديث، وحالياً أجهل كلّ ما له علاقة بخصوص هذه المسألة. ولكن إذا قمتُ بدراسة فترة من التاريخ من أجل علاجها درامياً، فما أتعلمه سيبقى محفوظاً في أمان إلى الأبد".
قال غوته: "إنَّ الأكاديميات تُقدِّم الكثير من الأشياء، والكثير جداً منها لا جدوى منه. ثم يطيل الأساتذة، كُلّ من ناحيته، كثيراً في موضوعه- إلى ما هو أبعد من رغبة سامعيهم. في السابق، كانت محاضرات الكيمياء وعلم النبات تنتمي إلى دراسة الطب، بحيث كان بإمكان الطبيب الاحاطة بها. أما الآن، أصبح كلاهما شديد الاتساع، إذ يتطلب كُلّ واحد منهما حياة؛ ولكن لازالت معرفتهما متوقعة من قبل الطبيب. لا شيء يمكن أن يُثمر من هذا؛ يجب إهمال شيء واحد ونسيانه من أجل الآخر. والحكيم هو من يضع جانباً كل الادعاءات التي قد تُبدِّد انتباهه، ويقتصر على فرع واحد، ويتفوق فيه".
يتبع....
________________
*«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.