Sunday, 9 July 2017

محادثات مع غوته - تأليف: يوهان بيتر إيكرمان


بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، قامت « #القرية_الإلكترونية » بترجمة يوميات من حياة شاعر ألمانيا الكبير "#جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة «غوته Goethe»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
---------
محادثات مع غوته - تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية: «جون أوكسنفورد»
ترجمة من الإنجليزية: «عمار جمال»
-----
الجزء الرابع (2)
---------
ثم عرض لي غوته نقداً قصيراً، كان قد كتبه لمسرحية اللورد بايرون "قابيل"، قرأتُه باهتمام كبير.
قال غوته: "نحن نرى، كيف أثَّرت عقائد الكنيسة غير الملائمة على عقل حرَّ مثل بايرون، وكيف كافح خلال هذا المسرحية للتخلُّص من المذهب الذي أجبر عليه. لن يقوم رجال الدين الإنجليز بشكره، ولكنني سأفاجأ إذا لم يمضِ في معالجة موضوعات توجد في الكتاب المقدس وتملك أهمية مماثلة، وما إذا لم يتناول موضوعاً مثل تدمير سدوم وعمورة".
بعد هذه الملاحظات الأدبية، وجَّه غوته انتباهي إلى الفن التشكيلي، من خلال عرض جوهرة عتيقة، كان قد أعرب بالفعل عن إعجابه بها في اليوم السابق. كنتُ مسحوراً بمراقبة سذاجة التصميم. رأيتُ رجلاً يتناول وعاءً ثقيلاً من كتفه ليُقدّم شراباً لصبي. ولكن الصبي وجد أنَّ الوعاء يميل بزاوية غير مريحة بالنسبة له؛ وبالتالي الشراب لا ينسكب؛ وبينما هو يضع كلتا يديه على الوعاء، كان يتوجه بنظره صوب الرجل، في ما يبدو أنه يطلب منه إمالة الوعاء قليلاً أكثر نحوه. 
"الآن، ما رأيك؟"، قال غوته، "نحن الحديثون نشعر بما فيه الكفاية بجمال مثل هذا الدافع الطبيعي تماماً، الساذج تماماً؛ لدينا المعرفة والفكرة التي تُمكنَّنا من أداء هذا الأمر، لكننا لا نستطيع القيام بذلك؛ الفهم هو دائماً أمرٌ سامي، وهذه النعمة الساحرة مرغوبة دائماً". 
من ثمّ، أمعنّا النظر في ميدالية براندت برلين، التي تُمثِّل الشاب ثيسيوس وهو يلتقط أسلحة والده من أسفل الحجر. كان للموقف الكثير مما يستحق الثناء، ولكننا راينا أنَّ أطراف الجسد لا تُبرز الجهد الكافي الذي يُمكنها من رفع هذا الثقل. كما يبدو من الخطأ أن يحمل الشاب السلاح بإحدى يديه بينما يرفع الحجر بالأخرى؛ فوفقاً لطبيعة الأشياء، سيقوم بدءاً بدحرجة الحجر الثقيل جانباً، ومن ثم يلتقط الأسلحة. "على النقيض من ذلك"، قال غوته، "سأريك جوهرة عتيقة، حيث عالج القدماء الموضوع نفسه بطريقة مُغايرة".
نادى على ستادلمان لجلب صندوق يحتوي على مئات الجواهر العتيقة، التي أحضرها معه من روما، أثناء سفره لإيطاليا. حيث نظرتُ كيف عُولج الموضوع ذاته من قبل اليونانيين القدماء، وكيف كان مختلفاً! كان الشاب يضع جُلَّ قوته على الحجر، أيّ بما يساوي المهمة التي يرغب في القيام بها، وكذلك الوزن الذي كان بالفعل قد تمَّ التغلب عليه بوضوح، فقد أزيح الحجر عن موضعه، بحيث سيُلقى به في القريب على إحدى جوانبه. وكانت كُلّ القوى الجسدية للبطل الشاب مُوجَّهة إزاء الكتلة الثقيلة؛ عدا نظرته التي كانت مُثبَّتة على الأسلحة التي تقبع أسفل الحجر.
سُرِرنا بالحقيقة الطبيعية العظيمة لهذه المُعالجة.
قال غوته ضاحكاً، "يقول ماير دائماً ’ماذا لو لم يكن التفكير بهذه الصعوبة الشديدة‘، والأسوأ من ذلك هو أنَّ جميع سُبُل التفكير الموجودة في العالم لا تحملنا صوب الفِكر؛ يجب أن نكون على وفاق مع الطبيعة، بحيث تأتي الأفكار الجيّدة صوبنا مثل أطفال الله الأحرار، وهي تهتف، ’ها أنا ذي‘".
الأربعاء، 25 فبراير، 1824.
في هذا اليوم، أراني غوته قصيدتين شديدتي الروعة، ذاتيْ بعد أخلاقي كبير في توجههما، ولكن في دوافعهما العديدة تبدوان طبيعيتين وحقيقيتين دون تحفُّظ، وهي من النوع الذي يرتسم فيه العالم بصورة غير أخلاقية. ولهذا السبب، قال إنه سيحتفظ بهما لنفسه، ولا ينوي نشرهما.
قال غوته: "هل بإمكان الفكر والثقافة العالية أن يصبحا ملكاً للجميع، وهل يستطيع الشاعر اللعب بنزاهة؛ نعم يمكنه أن يكون دائماً على صواب تام، وإن لن يضطر إلى الخوف في إطلاق أفضل أفكاره. ولكن، مثلما هو الأمر دائماً، يجب أن يبقى دائمًا ضمن مستوى معين؛ يجب أن يتذكر أنَّ أعماله سوف تقع في أيدي مجتمع مختلط، وبالتالي يجب أن يأخذ الحيطة خشية الانفتاح الكبير الذي قد يسيء لغالبية الناس الطيبين. الوقت شيء غريب؛ هو طاغية غريب الأطوار، وفي كل قرن له وجهٌ مختلفٌ في كلّ ما يقوله ويفعله. حيث ليس بمقدورنا أن نتحدث، بالقدر الملائم، عن أشياء كان يسمح بها الإغريق القدماء؛ كما لا يستطيع إنجليز عام ( 1820) تحمُّل ما يناسب معاصري شكسبير المُفعمين بالحيوية؛ لذا، كان من الضرورة اللازمة أن نجد في الوقت الحاضر شيئاً على شاكلة كتاب "مسرحيات شكسبير للعائلات". 
"بالتالي"، قلتُ، "هناك الكثير أيضاً بخصوص الشكل. إحدى هاتين القصيدتين مكتوبة في أسلوب ونظم شعر القدماء، لذا ستكون أقل هجومية بكثير من الأخرى. نعم ستثير أجزاء معزولة منها الاستياء، ولكن سيكون بمقدور المُعالجة طرح الكثير من العظمة والكرامة على مُجمل العمل. بحيث يبدو وكأننا نسمع صوتاً عتيقاً شديد القوّة، وأننا نقفل عائدين إلى عصر الأبطال اليونانيين. أما القصيدة الأخرى، فهي تجري في أسلوب ونظم ميسر أريوستو، لذا هي أشدّ خطورة بكثير، فهي تتعلَّق بحدث يخصُّ حاضرنا، ومكتوبة بلغة حاضرنا، ولأنها تأتي فعلياً لتميط اللثام عن حاضرنا، فإنَّ السمات الخاصة بالجرأة تبدو أمضى جسارة بكثير". 
"أنت على حق"، قال غوته. "فالآثار الغامضة والكبيرة تنتجها أشكال شعرية مختلفة. إذا تم وضع مضمون مرثيات روميش في قياس مع أسلوب بايرون في 'دون خوان'، سوف يكون الأمر في مجمله شائنًا".
جاءتنا الصحف الفرنسية. كان غوته عظيم الاهتمام بحملة الفرنسيين العسكرية في إسبانيا تحت قيادة دوق بانجولم، والتي انتهت لتوها. "لا بد من أن أشيد بالبوربون على هذا التدبير"، قال غوته، "حيث لم يستولوا على العرش إلا بعد أن كسبوا الجيش، وهو الأمر الذي أنجز الآن. لذا يدين الجندي بولائه إلى ملكه؛ وذلك لأنه بسبب انتصارات الملك، وخيبة أمله في الحشد الإسباني الذي يرأسه عديدون، تعلَّم الفرق بين طاعة الواحد والكثرة. لقد حافظ الجيش على سمعته القديمة، وأظهر أنه يمتلك الشجاعة، ويمكنه القيام بالغزو دون نابليون".
ثم عاد غوته بأفكاره إلى الوراء صوب التاريخ، وتحدث بإسهاب عن الجيش البروسي أثناء حرب السنوات السبع، الذي اعتاد مع قائده فريدريك الكبير على النصر الدائم، ما أدى لأن يصير مستهتراً، لدرجة أن خسر، فيما بعد، الكثير من المعارك بسبب الزهو والثقة الزائدة. كانت كل التفاصيل الدقيقة حاضرة في ذهنه، فلم أملك سوى الإعجاب بذاكرته الممتازة.
"لقد كان لي أفضلية كبيرة بسبب أنني وُلِدتُ في وقت وقعت فيه أهم الأحداث التي أربكت العالم، والتي استمرت تحدث خلال حياتي الطويلة؛ فقد عاصرت أثناء حياتي حرب السنوات السبع، وانفصال أمريكا عن إنكلترا، والثورة الفرنسية، وجُلّ عصر نابليون، ثم سقوط ذلك البطل، والأحداث التي تلت ذلك. وبالتالي حصدتُ ثمرات وبصيرة تستحيل على الذين وُلدوا الآن وهم ملزمون بتعلُّم جميع هذه الأشياء من الكُتُب، التي لن يستوعبوها.
"لا أستطيع التنبؤ بما ستحمله لنا مُقبل السنوات؛ ولكن أخشى أننا لن نحصل على الراحة في القريب؛ إذ ليس مُقدَّراً لهذا العالم بلوغ الرضا؛ ليست العظمة شيئاً نحصده من سوء استخدام السلطة؛ الجماهير ليست على هذا النحو؛ فعلى أمل التحسُّن التدريجي، سوف ترضى بالحالة المُعتدلة. ولحين يعود بمقدورنا تجويد الطبيعة البشرية، علينا أيضاً توقُّع حالة مثالية للأشياء؛ ولكن، والحال كما هو عليه، سيكون هناك تذبذُب دائم هنا وهناك؛ إذ يجب على جزء أن يعاني في حين يحصل الآخر على السكينة، وستواصل الحسد والأنانية أداء واجبهما مثل شياطين سيئة، وسيستمر النزاع الحزبي بلا نهاية.
"الطريقة الأكثر معقولية هي أن يتبع كل شخص مهنته الخاصة التي وُلِدَ لأجلها، والتي تعلَّمها، وتجنُّب إعاقة الآخرين عن اتباع مهنتهم. دع صانع الأحذية يلتزم بقوالبه، والفلاح بمحراثه، واسمحوا للملك أن يعرف كيف يحكم؛ فهذا أيضاً من الأعمال التي يجب تعلُّمها، والتي لا يجب على من لا يفقه فيها حشر أنفه".
قال غوته في معرض عودته إلى الصحف الفرنسية: "يمكن للليبراليين أن يتكلموا، فعندما يكونون منطقيين، نودُّ سماعهم؛ أما الملكيون الذين في يدهم السلطة التنفيذية- فيجب عليهم القيام بشيء. قد يكون بمقدورهم تسيير الجيوش، وقطع الرؤوس وشنق الناس- كل هذا لا بأس به؛ أما مهاجمة الآراء، وتبرير تدابيرهم الخاصة بقمع المطبوعات العامة، فلا يحقُّ لهم. فإذا كان للملوك شعبية، ربما عليهم أن يدلوا بدلوهم في الكلام.
استمر قائلاً: "بالنسبة لي، كنتُ دائماً ذا نزعة ملكية. تركتُ للآخرين الثرثرة، وفعلتُ ما رأيتُه مناسباً. لقد فهمتُ سبيلي، وعرفتُ هدفي. وإذا ارتكبتُ خطأ باعتباري فردًا، يمكنني إصلاحه بصورة جيدة؛ ولكن في حال اشتركتُ في الخطأ مع ثلاثة أو أربعة آخرين، سيكون من المستحيل النجاح في إصلاحه، فحيث يوجد كثيرون توجد العديد من الآراء".
كان غوته في حالة ممتازة في هذا اليوم. وأراني مجموعة السيدة شبيجل الأدبية، التي نشر ضمنها بعض الأشعار فائقة الجمال. حيث تُرِكت له مساحة خالية في المختارات لفترة استمرت سنتين، وكان فرحاً في قدرته على الإيفاء بهذا الوعد القديم. بعد أن قرأتُ "قصيدة للسيدة شبيجل". تصفحَّتً أوراق الكتاب، الذي ضمَّ العديد من الأسماء المُميّزة. في الصفحة التالية كانت قصيدة للشاعر تيدجه، كتبها بنفس روح وأسلوب عمله "أورانيا". وقال غوته: "أثناء نوبة حماسية، كنتُ على وشك كتابة بعض الأبيات أسفل تلك؛ ولكنني سعيد لعدم القيام بذلك. لم تكن هذه المرة الأولى التي استخدمتُ فيها عبارات طائشة، نفَّرتْ أناساً طيبين، وأفسدتُ تأثير أفضل أعمالي.
"ومع ذلك"، واصل غوته، "اضطررتُ إلى تحمُّل الكثير من قصيدة تيدجه 'أورانيا'؛ ففي تلك الفترة، لم يكن من شيء يتمُّ التغنيّ به أو التلفُّظ به أكثر من قصيدة ’أورانيا’. أينما ذهبتْ، ستجد 'أورانيا' على الطاولة. كانت 'أورانيا' والخلود موضوعا جميع المحادثات. بأي حال من الأحوال، أودّ الاستغناء عن سعادة الاعتقاد في وجود مستقبل مُشرق؛ في الواقع، سأشارك لورينزو دي ميديسي، في قوله، إنَّ من ماتوا في هذه الحياة لا يأملون في أي حياة أخرى. ولكن هذه الأمور غير المفهومة تكمن في مكان بعيد جداً من أن تكون موضوعاً للتدبُّر اليومي، والتأمل الذي يُشتِّت الفكر. اسمحوا لمن يؤمن بالخلود أن يستمتع بسعادته في صمت، فهو لا يملك مُبرراً لإعطاء نفسه مكانة أسمى من الآخرين. قادتني ’أورانيا‘ تيدجه إلى ملاحظة أنَّ التقوى، مثل النبالة، لها أرستقراطيوها. فقد قابلتُ نساء غبيبات، ممَّن طمأنَّ أنفسهن بالاعتقاد، مع تيدجه، في الخلود، واضطررتُ لأن أكون موضع كثير من الاستجواب الكئيب حول هذه النقطة. فقد كانوا محبطين من قولي إنني سأكون غاية السرور، بعد انتهاء هذه الحياة، إذا كنا مُباركين بحياة أخرى، فقط أتمنى ألَّا اضطرَّ في ما يلي ملاقاة واحدٍ من أولئك الذين كانوا يعتقدون في الخلود في حياتنا هذي. حيث سيتوجَّبُ عليّ أن أكون معذباً! إذ من شأن الورعين الاحتشاد من حولي، والقول: "ألم نكن على حق؟ ألم نتوقع ذلك؟ ألم يحدث الأمر مثلما أخبرنا؟". وهكذا، سيكون هنالك ملل لا متناهٍ حتى في العالم الآخر.
"هذا الانشغال بأفكار الخلود"، استمر غوته في الحديث، "هو من نصيب علِّية القوم، وخاصة السيّدات، اللائي ليس لديهنَّ ما يفعلنه. أمّا الرجل القادر، الذي يملك شيئاً منتظماً للقيام به في هذه الحياة، والذي ينبغي عليه الكدّ والكفاح والإنتاج يوماً بعد يوم، فهو يترك مستقبلاً في هذا العالم ذاته، ويكون نشطاً ومفيداً في هذا العالم. هذه الخواطر عن الخلود هي جيّدة لمن لم يحققوا نجاحاً كبيراً في هذه الحياة الدنيا؛ وأودُّ المراهنة أنه إذا كان تيدجه الصالح قد تمتَّع بمصير أفضل، لكان امتلكَ أفكاراً أفضل بالطريقة نفسها".